فهرس الكتاب

الصفحة 4258 من 8321

ثم حكى الله تعالى عن إبراهيم عليه السلام أنه قال: { رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ الناس } واتفق كل الفرق على أن قوله: { أَضْلَلْنَ } مجاز لأنها جمادات ، والجماد لا يفعل شيئًا ألبتة ، إلا أنه لما حصل الإضلال عند عبادتها أضيف إليها كما تقول فتنتهم الدنيا وغرتهم ، أي افتتنوا بها واغتروا بسببها .

ثم قال: { فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي } يعني من تبعني في ديني واعتقادي فإنه مني ، أي جار مجرى بعضي لفرط اختصاصه بي وقربه مني ومن عصاني في غير الدين فإنك غفور رحيم ، واحتج أصحابنا بهذه الآية على أن إبراهيم عليه السلام ذكر هذا الكلام والغرض منه الشفاعة في حق أصحاب الكبائر من أمته ، والدليل عليه أن قوله: { وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } صريح في طلب المغفرة والرحمة لأولئك العصاة فنقول: أولئك العصاة إما أن يكونوا من الكفار أو لا يكونوا كذلك ، والأول باطل من وجهين: الأول: أنه عليه السلام بين في مقدمة هذه الآية أنه مبرأ عن الكفار وهو قوله: { واجنبني وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأصنام } وأيضًا قوله: { فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي } يدل بمفهومه على أن من لم يتبعه على دينه فإنه ليس منه ولا يهتم باصلاح مهماته . والثاني: أن الأمة مجمعة على أن الشفاعة في إسقاط عقاب الكفر غير جائزة ، ولما بطل هذا ثبت أن قوله: { وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } شفاعة في العصاة الذين لا يكونون من الكفار .

وإذا ثبت هذا فنقول: تلك المعصية إما أن تكون من الصغائر أو من الكبائر بعد التوبة أو من الكبائر قبل التوبة ، والأول والثاني باطلان لأن قوله: { وَمَنْ عَصَانِي } اللفظ فيه مطلق فتخصيصه بالصغيرة عدول عن الظاهر ، وأيضًا فالصغائر والكبائر بعد التوبة واجبة الغفران عند الخصوم فلا يمكن حمل اللفظ عليه ، فثبت أن هذه الآية شفاعة في إسقاط العقاب عن أهل الكبائر قبل التوبة ، وإذا ثبت حصول هذه الشفاعة في حق إبراهيم عليه السلام ثبت حصولها في حق محمد A لوجوه: الأول: أنه لا قائل بالفرق . والثاني: وهو أن هذا المنصب أعلى المناصب فلو حصل لإبراهيم عليه السلام مع أنه غير حاصل لمحمد A لكان ذلك نقصانًا في حق محمد عليه السلام . والثالث: أن محمدًا A مأمور بالاقتداء بإبراهيم عليه السلام لقوله تعالى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت