{ خَلَقَ الموت والحياة } [ الملك: 2 ] والموت المقدم على الحياة هو كونه مواتًا فدل على أن إطلاق الميت على الموات ثابت على سبيل الحقيقة والأول هو الأقرب ، لأنه يقال في الجماد إنه موات وليس بميت فيشبه أن يكون استعمال أحدهما في الآخر على سبيل التشبيه قال القفال: وهو كقوله تعالى: { هَلْ أتى عَلَى الإنسان حِينٌ مّنَ الدهر لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا } [ الإنسان: 1 ] فبين سبحانه وتعالى أن الإنسان كان لا شيء يذكر فجعله الله حيًا وجعله سميعًا بصيرًا ومجازه من قولهم فلان ميت الذكر . وهذا أمر ميت ، وهذه سلعة ميتة ، إذا لم يكن لها طالب ولا ذاكر قال المخبل السعدي:
وأحييت لي ذكرى وما خاملا ... ولكن بعض الذكر أنبه من بعض
فكذا معنى الآية: { وَكُنتُمْ أمواتا } أي خاملين ولا ذكر لكم لأنكم لم تكونوا شيئًا { فأحياكم } أي فجعلكم خلقًا سميعًا بصيرًا .
المسألة الثالثة: احتج قوم بهذه الآية على بطلان عذاب القبر ، قالوا لأنه تعالى بين أنه يحييهم مرة في الدنيا وأخرى في الآخرة ولم يذكر حياة القبر ويؤكده قوله: { ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلك لَمَيّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ القيامة تُبْعَثُونَ } [ المؤمنون: 15 ، 16 ] ولم يذكر حياة فيما بين هاتين الحالتين ، قالوا ولا يجوز الاستدلال بقوله تعالى: { قَالُواْ رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثنتين وَأَحْيَيْتَنَا اثنتين } [ غافر: 11 ] لأنه قول الكفار ، ولأن كثيرًا من الناس أثبتوا حياة الذر في صلب آدم عليه السلام حين استخرجهم وقال: { أَلَسْتُ بِرَبّكُمْ } [ الأعراف: 172 ] وعلى هذا التقدير حصل حياتان وموتتان من غير حاجة إلى إثبات حياة في القبر ، فالجواب لم يلزم من عدم الذكر في هذه الآية أن لا تكون حاصلة ، وأيضًا فلقائل أن يقول: إن الله تعالى ذكر حياة القبر في هذه الآية . لأن قوله في يحييكم ليس هو الحياة الدائمة وإلا لما صح أن يقول: { ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } لأن كلمة ثم تقتضي التراخي ، والرجوع إلى الله تعالى حاصل عقب الحياة الدائمة من غير تراخ فلو جعلنا الآية من هذا الوجه دليلًا على حياة القبر كان قريبًا .
المسألة الرابعة: قال الحسن C قوله: { كَيْفَ تَكْفُرُونَ بالله } يعني به العامة ، وأما بعض الناس فقد أماتهم ثلاث مرات نحو ما حكى في قوله: { أَوْ كالذى مَرَّ على قَرْيَةٍ وَهِىَ خَاوِيَةٌ على عُرُوشِهَا } [ البقرة: 259 ] إلى قوله: { فَأَمَاتَهُ الله مِاْئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ } [ البقرة: 259 ] وكقوله: { أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين خَرَجُواْ مِن ديارهم وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الموت فَقَالَ لَهُمُ الله مُوتُواْ ثُمَّ أحياهم }