البحث الثاني: اختلفوا في المراد بالموزون وفيه وجوه:
الوجه الأول: أن يكون المراد أنه متقدر بقدر الحاجة . قال القاضي: وهذا الوجه أقرب لأنه تعالى يعلم المقدار الذي يحتاج إليه الناس وينتفعون به فينبت تعالى في الأرض ذلك المقدار ، ولذلك أتبعه بقوله: { وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا معايش } لأن ذلك الرزق الذي يظهر بالنبات يكون معيشة لهم من وجهين: الأول: بحسب الأكل والانتفاع بعينه . والثاني: أن ينتفع بالتجارة فيه ، والقائلون بهذا القول قالوا: الوزن إنما يراد لمعرفة المقدار فكان إطلاق لفظ الوزن لإرادة معرفة المقدار من باب اطلاق اسم السبب على المسبب قالوا: ويتأكد ذلك أيضًا بقوله تعالى: { وَكُلُّ شَىْء عِندَهُ بِمِقْدَارٍ } [ الرعد: 8 ] وقوله: { وَإِن مّن شَىْء إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ } [ الحجر: 21 ] .
والوجه الثاني: في تفسير هذا اللفظ أن هذا العالم عالم الأسباب والله تعالى إنما يخلق المعادن والنبات والحيوان بواسطة تركيب طبائع هذا العالم ، فلا بد وأن يحصل من الأرض قدر مخصوص ومن الماء والهواء كذلك ، ومن تأثير الشمس والكواكب في الحر والبرد مقدار مخصوص ، ولو قدرنا حصول الزيادة على ذلك القدر المخصوص ، أو النقصان عنه لم تتولد المعادن والنبات والحيوان فالله سبحانه وتعالى قدرها على وجه مخصوص بقدرته وعلمه وحكمته فكأنه تعالى وزنها بميزان الحكمة حتى حصلت هذه الأنواع .
والوجه الثالث: في تفسير هذا اللفظ أن أهل العرف يقولون: فلان موزون الحركات أي حركات متناسبة حسنة مطابقة للحكمة ، وهذا الكلام كلام موزون إذا كان متناسبًا حسنًا بعيدًا عن اللغو والسخف فكان المراد منه أنه موزون بميزان الحكمة والعقل ، وبالجملة فقد جعلوا لفظ الموزون كناية عن الحسن والتناسب ، فقوله: { وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِن كُلّ شَىْء مَّوْزُونٍ } أي متناسب محكوم عليه عند العقول السليمة بالحسن واللطافة ومطابقة المصلحة .
والوجه الرابع: في تفسير هذا اللفظ أن الشيء الذي ينبت من الأرض نوعان: المعادن والنبات: أما المعادن فهي بأسرها موزونة وهي الأجساد السبعة والأحجار والأملاح والزاجات وغيرها . وأما النبات فيرجع عاقبتها إلى الوزن ، لأن الحبوب توزن ، وكذلك الفواكه في الأكثر والله أعلم . وقوله تعالى: { وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا معايش } فيه مسألتان:
المسألة الأولى: ذكرنا الكلام في المعايش في سورة الأعراف وقوله: { وَمَن لَّسْتُمْ لَهُ برازقين } فيه قولان:
القول الأول: أنه معطوف على محل لكم ، والتقدير: وجعلنا لكم فيها معايش ومن لستم له برازقين .
والقول الثاني: أنه عطف على قوله: { معايش } والتقدير: وجعلنا لكم معايش ومن لستم له برازقين ، وعلى هذا القول ففيه احتمالات ثلاثة:
الاحتمال الأول: أن كلمة «من» مختصة بالعقلاء فوجب أن يكون المراد من قوله: { وَمَن لَّسْتُمْ لَهُ برازقين } العقلاء وهم العيال والمماليك والخدم والعبيد ، وتقرير الكلام أن الناس يظنون في أكثر الأمر أنهم الذين يرزقون العيال والخدم والعبيد ، وذلك خطأ فإن الله هو الرزاق يرزق الخادم والمخدوم ، والمملوك والمالك فإنه لولا أنه تعالى خلق الأطعمة والأشربة ، وأعطى القوة الغاذية والهاضمة ، وإلا لم يحصل لأحد رزق .