والقول الثاني: الصلصال هو المنتن من قولهم صل اللحم وأصل إذا نتن وتغير ، وهذا القول عندي ضعيف ، لأنه تعالى قال: { مِن صلصال مّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ } وكونه حمأ مسنونًا يدل على النتن والتغير وظاهر الآية يدل على أن هذا الصلصال إنما تولد من الحمأ المسنون فوجب أن يكون كونه صلصالًا مغايرًا لكونه حمأ مسنونًا ، ولو كان كونه صلصالًا عبارة عن النتن والتغير لم يبق بين كونه صلصالًا ، وبين كونه حمأ مسنونًا تفاوت ، وأما الحمأ فقال الليث الحمأة بوزن فعلة ، والجمع الحمأ وهو الطين الأسود المنتن . وقال أبو عبيدة والأكثرون حماة بوزن كمأة وقوله: { مَّسْنُونٍ } فيه أقوال: الأول: قال ابن السكيت سمعت أبا عمرو يقول في قوله: { مَّسْنُونٍ } أي متغير قال أبو الهيثم يقال سن الماء ، فهو مسنون أي تغير . والدليل عليه قوله تعالى: { لَمْ يَتَسَنَّهْ } [ البقرة: 259 ] أي لم يتغير . الثاني: المسنون المحكوك وهو مأخوذ من سننت الحجر إذا حككته عليه ، والذي يخرج من بينهما يقال له السنن وسمي المسن مسنًا لأن الحديد يسن عليه . والثالث: قال الزجاج: هذا اللفظ مأخوذ من أنه موضوع على سنن الطريق لأنه متى كان كذلك فقد تغير . الرابع: قال أبو عبيدة: المسنون المصبوب ، والسن والصب يقال سن الماء على وجهه سنًا . الخامس: قال سيبويه: المسنون المصور على صورة ومثال ، من سنة الوجه وهي صورته ، السادس: روي عن ابن عباس أنه قال: المسنون الطين الرطب ، وهذا يعود إلى قول أبي عبيدة ، لأنه إذا كان رطبًا يسيل وينبسط على الأرض ، فيكون مسنونًا بمعنى أنه مصبوب .
أما قوله تعالى: { والجآن خلقناه } فاختلفوا في أن الجان من هو؟ فقال عطاء عن ابن عباس: يريد إبليس وهو قول الحسن ومقاتل وقتادة . وقال ابن عباس في رواية أخرى: الجان هو أب الجن وهو قول الأكثرين . وسمي جانًا لتواريه عن الأعين ، كما سمي الجنين جنينًا لهذا السبب ، والجنين متوارٍ في بطن أمه ، ومعنى الجان في اللغة الساتر من قولك: جن الشيء إذا ستره ، فالجان المذكور ههنا يحتمل أنه سمي جانًا لأنه يستر نفسه عن أعين بني آدم ، أو يكون من باب الفاعل الذي يراد به المفعول كما يقال في لابن وتامر وماء دافق وعيشة راضية . واختلفوا في الجن فقال بعضهم: إنهم جنس غير الشياطين والأصح أن الشياطين قسم من الجن ، فكل من كان منهم مؤمنًا فإنه لا يسمى بالشيطان ، وكل من كان منهم كافرًا يسمى بهذا الإسم ، والدليل على صحة ذلك أن لفظ الجن مشتق من الاستتار ، فكل من كان كذلك كان من الجن ، وقوله تعالى: { خلقناه مِن قَبْلُ } قال ابن عباس: يريد من قبل خلق آدم ، وقوله: { مِن نَّارِ السموم } معنى السموم في اللغة: الريح الحارة تكون بالنهار وقد تكون بالليل ، وعلى هذا فالريح الحارة فيها نار ولها لفح وأوار ، على ما ورد في الخبر أنها لفح جهنم . قيل: سميت سمومًا لأنها بلطفها تدخل في مسام البدن ، وهي الخروق الخفية التي تكون في جلد الإنسان يبرز منها عرقه وبخار باطنه . قال ابن مسعود: هذه السموم جزء من سبعين جزأ من السموم التي خلق الله بها الجان وتلا هذه الآية .