فهرس الكتاب

الصفحة 4311 من 8321

{ فَأَزَلَّهُمَا الشيطان } [ البقرة: 36 ] فأضاف تلك الزلة إلى الشيطان ، وقال: { فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الجنة فتشقى } [ طه: 117 ] فأضاف الإخراج إليه ، وقال موسى عليه السلام: { هذا مِنْ عَمَلِ الشيطان } [ القصص: 15 ] وكل ذلك يدل على أن لعمل الشيطان في تلك الأفعال أثرًا ، وأما البرهان فلأن بداية العقول شاهدة بأنه ليس حال من ابتلى بمجالسة شخص يرغبه أبدًا في القبائح . وينفره عن الخيرات ، مثل شخص كان حاله بالضد منه ، والعلم بهذا التفاوت ضروري . وأما قوله إن وجوده يصير سببًا لزيادة المشقة في الطاعة فنقول: تأثير زيادة المشقة إنما هو في كثرة الثواب على أحد التقديرين ، وفي الإلقاء في العذاب الشديد على التقدير الثاني وهو التقدير الأكثر الأغلب ، وكل من يراعي المصالح ، فإن رعاية هذا التقدير الثاني أولى عنده من رعاية التقدير الأول لأن دفع الضرر العظيم أولى من السعي في طلب النفع الزائد الذي لا حاجة إلى حصوله أصلًا ، ولما اندفع هذان الجوابان عن هذا السؤال قويت سائر الوجوه المذكورة ، وأما قوله: المراد من قوله: { رَبّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِى } الخيبة عن الرحمة أو الإضلال عن طريق الجنة فنقول: كل هذا بعيد ، لأنه هو الذي خيب نفسه عن الرحمة وهو الذي أضل نفسه عن طريق الجنة ، لأنه لما أقدم على الكفر باختياره فقد خيب نفسه عن الرحمة ، وأضل نفسه عن طريق الجنة فكيف يحسن إضافته إلى الله تعالى فثبت أن الإشكالات لازمة وأن أجوبتهم ضعيفة ، والله أعلم .

وأما قوله: { إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ المخلصين } ففيه مسائل:

المسألة الأولى: اعلم أن إبليس استثنى المخلصين ، لأنه علم أن كيده لا يعمل فيهم ، ولا يقبلون منه ، وذكرت في مجلس التذكير أن الذي حمل إبليس على ذكر هذا الإستثناء أن لا يصير كاذبًا في دعواه فلما احترز إبليس عن الكذب علمنا أن الكذب في غاية الخساسة .

المسألة الثانية: قرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو: { المخلصين } بكسر اللام في كل القرآن ، والباقون بفتح اللام . وجه القراءة الأولى أنهم الذين أخلصوا دينهم وعبادتهم عن كل شائب يناقض الإيمان والتوحيد ، ومن فتح اللام فمعناه: الذين أخلصهم الله بالهداية والإيمان ، والتوفيق ، والعصمة ، وهذه القراءة تدل على أن الإخلاص والإيمان ليس إلا من الله تعالى .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت