فهرس الكتاب

الصفحة 4316 من 8321

{ مَّثَلُ الجنة التى وُعِدَ المتقون فِيهَا أَنْهَارٌ مّن مَّاء غَيْرِ ءاسِنٍ وَأَنْهَارٌ مّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وأنهار مّنْ خمرٍ لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى } [ محمد: 15 ] ويحتمل أن يكون المراد من هذه العيون ينابيع مغايرة لتلك الأنهار .

فإن قيل: أتقولون إن كل واحد من المتقين يختص بعيون ، أو تجري تلك العيون من بعض إلى بعض قيل: لا يمتنع كل واحد من الوجهين فيجوز أن يختص كل أحد بعين وينتفع به كل من في خدمته من الحور والولدان ، ويكون ذلك على قدر حاجتهم وعلى حسب شهواتهم ، ويحتمل أن يكون يجري من بعضهم إلى بعض لأنهم مطهرون عن الحقد والحسد وقوله: { ادخلوها بِسَلامٍ ءامِنِينَ } يحتمل أن القائل لقوله: { ادخلوها } هو الله تعالى وأن يكون ذلك القائل بعض ملائكته ، وفيه سؤال لأنه تعالى حكم قبل هذه الآية بأنهم في جنات وعيون ، وإذا كانوا فيها فكيف يمكن أن يقال لهم: { ادخلوها } .

والجواب عنه من وجهين: الأول: لعل المراد به قيل لهم قبل دخولهم فيها: { ادخلوها بِسَلامٍ } . الثاني: لعل المراد لما ملكوا جنات كثيرة فكلما أرادوا أن ينتقلوا من جنة إلى أخرى قيل لهم ادخلوها وقوله: { ادخلوها بِسَلامٍ ءَامِنِينَ } المراد ادخلوا الجنة مع السلامة من كل الآفات في الحال ومع القطع ببقاء هذه السلامة ، والأمن من زوالها .

ثم قال تعالى: { وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مّنْ غِلٍّ } والغل الحقد الكامن في القلب وهو مأخوذ من قولهم: أغل في جوفه وتغلغل ، أي إن كان لأحدهم في الدنيا غل على آخر نزع الله ذلك من قلوبهم وطيب نفوسهم ، وعن علي عليه السلام أنه قال: أرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير منهم ، وحكى عن الحرث بن الأعور أنه كان جالسًا عند علي عليه السلام إذ دخل زكريا بن طلحة فقال له علي: مرحبًا بك يا ابن أخي ، أما والله إني لأرجو أن أكون أنا وأبوك ممن قال الله تعالى في حقهم: { وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مّنْ غِلٍّ } فقال الحرث: كلا بل الله أعدل من أن يجعلك وطلحة في مكان واحد . قال عليه السلام: فلمن هذه الآية؟ لا أم لك يا أعور ، وروي أن المؤمنين يحبسون على باب الجنة فيقتص لبعضهم من بعض ، ثم يؤمر بهم إلى الجنة . وقد نقى الله قلوبهم من الغل والغش ، والحقد والحسد ، وقوله: { إِخْوَانًا } نصب على الحال وليس المراد الأخوة في النسب بل المراد الأخوة في المودة والمخالصة كما قال: { الأخلاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ المتقين } [ الزخرف: 67 ] وقوله: { على سُرُرٍ متقابلين } السرير معروف والجمع أسرة وسرر قال أبو عبيدة يقال: سرر وسرر بفتح الراء وكذا كل فعيل من المضاعف فإن جمعه فعل وفعل نحو: سرر وسرر ، وجدد وجدد قال المفضل: بعض تميم وكلب يفتحون ، لأنهم يستثقلون ضمتين متواليتين في حرفين من جنس واحد ، وقال بعض أهل المعاني: السرير مجلس رفيع مهيأ للسرور وهو مأخوذ منه لأنه مجلس سرور . قال الليث: وسرير العيش مستقره الذي اطمأن إليه في حال سروره وفرحه قال ابن عباس: يريد على سرر من ذهب مكللة بالزبرجد والدر والياقوت ، والسرير مثل ما بين صنعاء إلى الجابية ، وقوله: { متقابلين } التقابل التواجه ، وهو نقيض التدابر ، ولا شك أن المواجهة أشرف الأحوال وقوله: { لاَ يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ } النصب الإعياء والتعب أي لا ينالهم فيها تعب: { وَمَا هُمْ مّنْهَا بِمُخْرَجِينَ } والمراد به كونه خلودًا بلا زوال وبقاء بلا فناء ، وكمالًا بلا نقصان ، وفوزًا بلا حرمان .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت