{ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ } [ الذاريات: 56 ] فقالوا إنه تعالى لما فعل ما لو فعله غيره لكان فعله لذلك الشيء لأجل الغرض لا جرم أطلق الله عليه لفظ الغرض بسبب هذه المشابهة .
المسألة الثانية: احتج أهل الإباحة بقوله تعالى: { خَلَقَ لَكُم مَّا فِى الأرض جَمِيعًا } على أنه تعالى خلق الكل للكل فلا يكون لأحد اختصاص بشيء أصلًا وهو ضعيف لأنه تعالى قابل الكل بالكل ، فيقتضي مقابلة الفرد بالفرد ، والتعيين يستفاد من دليل منفصل والفقهاء رحمهم الله استدلوا به على أن الأصل في المنافع الإباحة وقد بيناه في أصول الفقه .
المسألة الثالثة: قيل إنها تدل على حرمة أكل الطين لأنه تعالى خلق لنا ما في الأرض دون نفس الأرض ، ولقائل أن يقول في جملة الأرض ما يطلق عليه أنه في الأرض فيكون جمعًا للموضعين ، ولا شك أن المعادن داخلة في ذلك وكذلك عروق الأرض وما يجري مجرى بعض لها ولأن تخصيص الشيء بالذكر لا يدل على نفي الحكم عما عداه .
المسألة الرابعة: قوله: { خَلَقَ لَكُم مَّا فِى الأرض جَمِيعًا } يقتضي أنه لا تصح الحاجة على الله تعالى وإلا لكان قد فعل هذه الأشياء لنفسه أيضًا لا لغيره ، وأما قوله تعالى: { ثُمَّ استوى إِلَى السماء } فيه مسائل:
المسألة الأولى: الاستواء في كلام العرب قد يكون بمعنى الانتصاب وضده الإعوجاج ولما كان ذلك من صفات الأجسام ، فالله تعالى يجب أن يكون منزهًا عن ذلك ولأن في الآية ما يدل على فساده لأن قوله: { ثُمَّ استوى } يقتضي التراخي ولو كان المراد من هذا الاستواء العلو بالمكان لكان ذلك العلو حاصلًا أولًا ولو كان حاصلًا أولًا لما كان متأخرًا عن خلق ما في الأرض لكن قوله: { ثُمَّ استوى } يقتضي التراخي ، ولما ثبت هذا وجب التأويل وتقريره أن الاستواء هو الاستقامة يقال استوى العود إذا قام واعتدل ثم قيل استوى إليه كالسهم المرسل إذا قصده قصدًا مستويًا من غير أن يلتفت إلى شيء آخر ومنه استعير قوله: { ثُمَّ استوى إِلَى السماء } أي خلق بعد الأرض السماء ولم يجعل بينهما زمانًا ولم يقصد شيئًا آخر بعد خلقه الأرض .
المسألة الثانية: قوله تعالى: { هُوَ الذى خَلَقَ لَكُم مَّا فِى الأرض جَمِيعًا ثُمَّ استوى إِلَى السماء } مفسر بقوله: { قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بالذى خَلَقَ الأرض فِى يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ذَلِكَ رَبُّ العالمين وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِىَ مِن فَوْقِهَا وبارك فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أقواتها فِى أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاء لّلسَّائِلِينَ } [ فصلت: 9 ، 10 ] بمعنى تقدير الأرض في يومين وتقدير الأقوات في يومين آخرين كما يقول القائل من الكوفة إلى المدينة عشرون يومًا ، وإلى مكة ثلاثون يومًا يريد أن جميع ذلك هو هذا القدر ثم استوى إلى السماء في يومين آخرين ومجموع ذلك ستة أيام على ما قال: