فهرس الكتاب

الصفحة 4366 من 8321

النعمة الثانية: من النعم التي أظهرها الله تعالى على وجه الأرض هي أنه تعالى أجرى الأنهار على وجه الأرض واعلم أنه حصل ههنا بحثان:

البحث الأول: أن قوله: { وَأَنْهَارًا } معطوف على قوله: { وألقى فِى الأرض رَوَاسِىَ } والتقدير وألقى رواسي وأنهارًا . وخلق الأنهار لا يبعد أن يسمى بالإلقاء فيقال: ألقى الله في الأرض أنهارًا كما قال: { وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رواسي } [ قَ: 7 ] والإلقاء معناه الجعل ألا تر أنه تعالى قال في آية أخرى: { وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِىَ مِن فَوْقِهَا وبارك فِيهَا } [ فصلت: 10 ] والإلقاء يقارب الإنزال ، لأن الإلقاء يدل على طرح الشيء من الأعلى إلى الأسفل ، إلا أن المراد من هذا الإلقاء الجعل والخلق قال تعالى: { وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مّنّى } [ طه: 39 ] .

البحث الثاني: أنه ثبت في العلوم العقلية أن أكثر الأنهار إنما تتفجر منابعها في الجبال ، فلهذا السبب لما ذكر الله تعالى الجبال أتبع ذكرها بتفجير العيون والأنهار .

النعمة الثالثة: قوله: { وَسُبُلًا لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } وهي أيضًا على قوله: { وألقى فِى الأرض رَوَاسِىَ } والتقدير: وألقى في الأرض سبلًا ومعناه: أنه تعالى أظهرها وبينها لأجل أن تهتدوا بها في أسفاركم ونظيره قوله تعالى في آية أخرى: { وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا } [ طه: 53 ] وقوله: { لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } أي لكي تهتدوا .

واعلم أنه تعالى لما ذكر أنه أظهر في الأرض سبلًا معينة ذكر أنه أظهر فيها علامات مخصوصة حتى يتمكن المكلف من الاستدلال بها فيصل بواسطتها إلى مقصوده فقال: { وعلامات } وهي أيضًا معطوفة على قوله: { فِى الأرض رَوَاسِىَ } والتقدير: وألقى في الأرض رواسي وألقى فيها أنهارًا وسبلًا وألقى فيها علامات والمراد بالعلامات معالم الطرق وهي الأشياء التي بها يهتدي ، وهذه العلامات هي الجبال والرياح ورأيت جماعة يشمون التراب وبواسطة ذلك الشم يتعرفون الطرق . قال الأخفش تم الكلام عند قوله: { وعلامات } وقوله: { وبالنجم هُمْ يَهْتَدُونَ } كلام منفصل عن الأول ، والمراد بالنجم الجنس كقولك: كثر الدرهم في أيدي الناس . وعن السدي هو الثريا ، والفرقدان ، وبنات نعش ، والجدي ، وقرأ الحسن: { وبالنجم } بضمتين وبضمة فسكون ، وهو جمع نجم كرهن ورهن والسكون تخفيف . وقيل: حذف الواو من النجم تخفيفًا .

فإن قيل: قوله: { أَن تَمِيدَ بِكُمْ } خطاب الحاضرين وقوله: { وبالنجم هُمْ يَهْتَدُونَ } خطاب للغائبين فما السبب فيه؟

قلنا: إن قريشًا كانت تكثر أسفارها لطلب المال ، ومن كثرت أسفاره كان علمه بالمنافع الحاصلة من الاهتداء بالنجوم أكثر وأتم فقوله: { وبالنجم هُمْ يَهْتَدُونَ } إشارة إلى قريش للسبب الذي ذكرناه ، والله أعلم .

واختلف المفسرون فمنهم من قال قوله: { وبالنجم هُمْ يَهْتَدُونَ } مختص بالبحر ، لأنه تعالى لما ذكر صفة البحر وما فيه من المنافع بين أن من يسيرون فيه يهتدون بالنجم ، ومنهم من قال: بل هو مطلق يدخل فيه السير في البر والبحر وهذا القول أولى ، لأنه أعم في كونه نعمة ولأن الاهتداء بالنجم قد يحصل في الوقتين معًا ، ومن الفقهاء من يجعل ذلك دليلًا على أن المسافر إذا عميت عليه القبلة فإنه يجب عليه أن يستدل بالنجوم وبالعلامات التي في الأرض ، وهي الجبال والرياح ، وذلك صحيح ، لأنه كما يمكن الاهتداء بهذه العلامات في معرفة الطرق والمسالك فكذلك يمكن الاستدلال بها في معرفة طلب القبلة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت