والجواب من وجهين: الأول: أنه تعالى منذرهم من العقاب فقال: { وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنّى إله مّن دُونِهِ فذلك نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ } [ الأنبياء: 29 ] وهم لهذا الخوف يتركون الذنب . والثاني: وهو الأصح أن ذلك الخوف خوف الإجلال هكذا نقل عن ابن عباس Bهما ، والدليل على صحته قوله تعالى: { إِنَّمَا يَخْشَى الله مِنْ عِبَادِهِ العلماء } [ فاطر: 28 ] وهذا يدل على أنه كلما كانت معرفة الله تعالى أتم ، كان الخوف منه أعظم ، وهذا الخوف لا يكون إلا خوف الإجلال والكبرياء ، والله أعلم .
المسألة الثانية: قالت المشبهة قوله تعالى: { يخافون رَبَّهُمْ مّن فَوْقِهِمْ } هذا يدل على أن الإله تعالى فوقهم بالذات .
واعلم أنا بالغنا في الجواب عن هذه الشبهة في تفسير قوله تعالى: { وَهُوَ القاهر فَوْقَ عِبَادِهِ } [ الأنعام: 18 ] والذي نزيده ههنا أن قوله: { يخافون رَبَّهُمْ مّن فَوْقِهِمْ } معناه يخافون ربهم من أن ينزل عليهم العذاب من فوقهم ، وإذا كان اللفظ محتملًا لهذا المعنى سقط قولهم ، وأيضًا يجب حمل هذه الفوقية على الفوقية بالقدرة والقهر كقوله: { وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قاهرون } [ الأعراف: 127 ] والذي يقوي هذا الوجه أنه تعالى لما قال: { يخافون رَبَّهُمْ مّن فَوْقِهِمْ } وجب أن يكون المقتضى لهذا الخوف هو كون ربهم فوقهم لما ثبت في أصول الفقه أن الحكم المرتب على الوصف يشعر بكون الحكم معللًا بذلك الوصف .
إذا ثبت هذا فنقول: هذا التعطيل إنما يصح لو كان المراد بالفوقية الفوقية بالقهر والقدرة لأنها هي الموجبة للخوف ، أما الفوقية بالجهة والمكان فهي لا توجب الخوف بدليل أن حارس البيت فوق الملك بالمكان والجهة مع أنه أخس عبيده فسقطت هذه الشبهة .
المسألة الثالثة: دلت هذه الآية على أن الملائكة مكلفون من قبل الله تعالى وأن الأمر والنهي متوجه عليهم كسائر المكلفين ، ومتى كانوا كذلك وجب أن يكونوا قادرين على الخير والشر .
المسألة الرابعة: تمسك قوم بهذه الآية في بيان أن الملك أفضل من البشرمن وجوه:
الوجه الأول: أنه تعالى قال: { وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِى السموات وَمَا فِي الأرض مَن دَآبَّةٍ والملئكة } وذكرنا أن تخصيص هذين النوعين بالذكر إنما يحسن إذا كان أحد الطرفين أخس المراتب وكان الطرف الثاني أشرفها حتى يكون ذكر هذين الطرفين منبهًا على الباقي ، وإذا كان كذلك وجب أن يكون الملائكة أشرف خلق الله تعالى .
الوجه الثاني: أن قوله تعالى: { وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ } يدل على أنه ليس في قلوبهم تكبر وترفع وقوله: { وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ } يدل على أن أعمالهم خالية عن الذنب والمعصية ، فمجموع هذين الكلامين يدل على أن بواطنهم وظواهرهم مبرأة عن الأخلاق الفاسدة والأفعال الباطلة ، وأما البشر فليسوا كذلك . ويدل عليه القرآن والخبر ، أما القرآن فقوله تعالى: