فهرس الكتاب

الصفحة 4415 من 8321

فإن قيل: كيف يحكمون بذلك وهم كانوا منكرين للقيامة؟

قلنا: كلهم ما كانوا منكرين للقيامة ، فقد قيل: إنه كان في العرب جمع يقرون بالبعث والقيامة ، ولذلك فإنهم كانوا يربطون البعير النفيس على قبر الميت ويتركونه إلى أن يموت ويقولون: إن ذلك الميت إذا حشر فإنه يحشر معه مركوبه ، وأيضًا فبتقدير أنهم كانوا منكرين للقيامة فلعلهم قالوا: إن كان محمد صادقًا في قوله بالبعث والنشور فإنه يحصل لنا الجنة والثواب بسبب هذا الدين الحق الذي نحن عليه ، ومن الناس من قال: الأولى أن يحمل { الحسنى } على هذا الوجه بدليل أنه تعالى قال بعده: { لا جرم أن لهم النار } فرد عليهم قولهم وأثبت لهم النار ، فدل هذا على أنهم حكموا لأنفسهم بالجنة . قال الزجاج: لا رد لقولهم ، والمعنى ليس الأمر كما وصفوا جرم فعلهم أي كسب ذلك القول لهم النار ، فعلى هذا لفظ « أن » في محل النصب بوقوع الكسب عليه . وقال قطرب ( أن ) في موضع رفع ، والمعنى: وجب أن لهم النار وكيف كان الإعراب فالمعنى هو أنه يحق لهم النار ويجب ويثبت . وقوله: { وأنهم مفرطون } قرأ نافع وقتيبة عن الكسائي: { مفرطون } بكسر الراء ، والباقون: { مفرطون } بفتح الراء . أما قراءة نافع فقال الفراء: المعنى أنهم كانوا مفرطين على أنفسهم في الذنوب ، وقيل: أفرطوا في الافتراء على الله تعالى ، وقال أبو علي الفارسي: كأنه من أفرط ، أي صار ذا فرط مثل أجرب ، أي صار ذا جرب والمعنى: أنهم ذوو فرط إلى النار كأنهم قد أرسلوا من يهيئ لهم مواضع فيها . وأما قراءة قوله: { مفرطون } بفتح الراء ففيه قولان:

القول الأول: المعنى ، أنهم متروكون في النار . قال الكسائي: يقال ما أفرطت من القوم أحدًا ، أي ما تركت . وقال الفراء: تقول العرب أفرطت منهم ناسًا ، أي خلفتهم وأنسيتهم .

والقول الثاني: { مفرطون } أي معجلون . قال الواحدي C: وهو الاختيار ووجهه ما قال أبو زيد وغيره: فرط الرجل أصحابه يفرطهم فرطًا وفروطًا إذا تقدمهم إلى الماء ليصلح الدلاء والأرسان ، وأفرط القوم الفارط ، وفرطوه إذا قدموه فمعنى قوله: { مفرطون } على هذا التقدير كأنهم قدموا إلى النار فهم فيها فرط للذين يدخلون بعدهم ، ثم بين تعالى أن مثل هذا الصنع الذي يصدر من مشركي قريش قد صدر من سائر الأمم السابقين في حق الأنبياء المتقدمين عليهم السلام ، فقال: { تالله لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فزين لهم الشيطان أعمالهم } وهذا يجري مجرى التسلية للرسول A فيما كان يناله من الغم بسبب جهالات القوم . قالت المعتزلة: الآية تدل على فساد قول المجبرة من وجوه: الأول: أنه إذا كان خالق أعمالهم هو الله تعالى ، فلا فائدة في التزيين . والثاني: أن ذلك التزيين لما كان بخلق الله تعالى لم يجز ذم الشيطان بسببه . والثالث: أن التزيين هو الذى يدعو الإنسان إلى الفعل ، وإذا كان حصول الفعل فيه بخلق الله تعالى كان ضروريًا فلم يكن التزيين داعيًا . والرابع: أن على قولهم ، الخالق لذلك العمل ، أجدر أن يكون وليًا لهم من الداعي إليه . والخامس: أنه تعالى أضاف التزيين إلى الشيطان ولو كان ذلك المزين هو الله تعالى لكانت إضافته إلى الشيطان كذبًا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت