"بينا أنا في المسجد الحرام في الحجر عند البيت بين النائم واليقظان إذ أتاني جبريل بالبراق"وقيل أسري به من دار أم هانيء بنت أبي طالب . والمراد على هذا القول بالمسجد الحرام الحرم لإحاطته بالمسجد والتباسه به ، وعن ابن عباس الحرم كله مسجد ، وهذا قول الأكثرين وقوله: { إلى المسجد الأقصى } اتفقوا على أن المراد منه بيت المقدس وسمي بالأقصى لبعد المسافة بينه وبين المسجد الحرام وقوله: { الذى بَارَكْنَا حَوْلَهُ } قيل بالثمار والأزهار ، وقيل بسبب أنه مقر الأنبياء ومهبط الملائكة .
واعلم أن كلمة { إلى } لانتهاء الغاية فمدلول قوله: { إلى المسجد الأقصى } أنه وصل إلى حد ذلك المسجد فأما أنه دخل ذلك المسجد أم لا فليس في اللفظ دلالة عليه ، وقوله: { لِنُرِيَهُ مِنْ ءاياتنا } يعني ما رأى في تلك الليلة من العجائب والآيات التي تدل على قدرة الله تعالى .
فإن قالوا: قوله: { لِنُرِيَهُ مِنْ ءاياتنا } يدل على أنه تعالى ما أراه إلا بعض الآيات ، لأن كلمة { مِنْ } تفيد التبعيض ، وقال في حق إبراهيم: { وَكَذَلِكَ نُرِى إبراهيم مَلَكُوتَ السموات والأرض } [ الأنعام: 75 ] فيلزم أن يكون معراج إبراهيم عليه السلام أفضل من معراج محمد A .
قلنا: الذي رآه إبراهيم ملكوت السموات والأرض ، والذي رآه محمد A بعض آيات الله تعالى ، ولا شك أن آيات الله أفضل .
ثم قال: { إِنَّهُ هُوَ السميع العليم } أي أن الذي أسرى بعبده هو السميع لأقوال محمد ، البصير بأفعاله ، العالم بكونها مهذبة خالصة عن شوائب الرياء ، مقرونة بالصدق والصفاء ، فلهذا السبب خصه الله تعالى بهذه الكرامات ، وقيل: المراد سميع لما يقولون للرسول في هذا الأمر ، بصير بما يعملون في هذه الواقعة .
المسألة الثانية: اختلف في كيفية ذلك الإسراء فالأكثرون من طوائف المسلمين اتفقوا على أنه أسرى بجسد رسول الله A ، والأقلون قالوا: إنه ما أسري إلا بروحه حكي عن محمد بن جرير الطبري في «تفسيره» عن حذيفة أنه قال ذلك رؤيا . وأنه ما فقد جسد رسول الله A ، وإنما أسري بروحه ، وحكي هذا القول أيضًا عن عائشة Bها ، وعن معاوية Bه . واعلم أن الكلام في هذا الباب يقع في مقامين: أحدهما: في إثبات الجواز العقلي . الثاني: في الوقوع .
أما المقام الأول: وهو إثبات الجواز العقلي ، فنقول: الحركة الواقعة في السرعة إلى هذا الحد ممكنة في نفسها والله تعالى قادر على جميع الممكنات ، وذلك يدل على أن حصول الحركة في هذا الحد من السرعة غير ممتنع ، فنفتقر ههنا إلى بيان مقدمتين: