فهرس الكتاب

الصفحة 4498 من 8321

فإن قالوا: أليس أنه يضيف ذاته إلى نفسه ، فيقول ذاتي ونفسي فيلزمكم أن تكون نفسه مغايرة لذاته ، وهذا محال .

قلنا: نحن لا نتمسك بمجرد اللفظ حتى يلزمنا ما ذكرتموه ، بل إنما نتمسك بمحض العقل ، فإن صريح العقل يدل على أن الإنسان موجود واحد وذلك الشيء الواحد يأخذ بآلة اليد ويبصر بآلة العين ، ويسمع بآلة الأذن فالإنسان شيء واحد ، وهذه الأعضاء آلات له في هذه الأفعال ، وذلك يدل على أن الإنسان شيء مغاير لهذه الأعضاء والآلات ، فثبت بهذه الوجوه أن الإنسان شيء مغاير لهذه البنية ولهذا الجسد .

إذا ثبت هذا فنقول: { سُبْحَانَ الذى أسرى بِعَبْدِهِ } المراد من العبد جوهر الروح وعلى هذا التقدير فلم يبق في الآية دلالة على حصول الإسراء بالجسد .

فإن قالوا: فالإسراء بالروح ليس بأمر مخالف للعادة ، فلا يليق به أن يقال: { سُبْحَانَ الذى أسرى بِعَبْدِهِ } .

قلنا: هذا أيضًا بعيد ، لأنه لا يبعد أن يقال: إنه حصل لروحه من أنواع المكاشفات والمشاهدات ما لم يحصل لغيره ألبتة ، فلا جرم كان هذا الكلام لائقًا به ، فهذا تقرير وجه السؤال على الاستدلال بهذه الآية في إثبات المعراج بالروح والجسد معًا .

والجواب: أن لفظ العبد لا يتناول إلا مجموع الروح والجسد ، والدليل عليه قوله تعالى: { أَرَأَيْتَ الذى ينهى * عَبْدًا إِذَا صلى } [ العلق: 9 ، 10 ] ولا شك أن المراد من العبد ههنا مجموع الروح والجسد . وقال أيضًا في سورة الجن: { وَأَنَّهُ لَّمَا قَامَ عَبْدُ الله يَدْعُوهُ كَادُواْ يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا } [ الجن: 19 ] والمراد مجموع الروح والجسد فكذا ههنا ، وأما الخبر فهو الحديث المروي في الصحاح وهو مشهور وهو يدل على الذهاب من مكة إلى بيت المقدس ، ثم منه إلى السموات ، واحتج المنكرون له بوجوه: أحدها: بالوجوه العقلية وهي ثلاثة: أولها: أن الحركة البالغة في السرعة إلى هذا الحد غير معقولة . وثانيها: أن صعود الجرم الثقيل إلى السموات غير معقول . وثالثها: أن صعوده إلى السموات يوجب انحراق الأفلاك ، وذلك محال .

والشبهة الثانية: أن هذا المعنى لو صح لكان أعظم من سائر المعجزات وكان يجب أن يظهر ذلك عند اجتماع الناس حتى يستدلوا به على صدقه في ادعاء النبوة ، فأما أن يحصل ذلك في وقت لا يراه أحد ولا يشاهده أحد ، فإنه يكون ذلك عبثًا ، وذلك لا يليق بالحكيم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت