فهرس الكتاب

الصفحة 4503 من 8321

ثم قال تعالى: { وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولًا } أي كان قضاء الله بذلك قضاء جزمًا حتمًا لا يقبل النقض والنسخ ، ثم قال تعالى: { ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الكرة } أي أهلكنا أعداءكم ورددنا الدولة والقوة عليكم: { وجعلناكم أَكْثَرَ نَفِيرًا } النفير العدد من الرجال وأصله من نفر مع الرجل من عشيرته وقومه ، والنفير والنافر واحد ، كالقدير والقادر ، وذكرنا معنى نفر عند قوله: { فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلّ فِرْقَةٍ } [ التوبة: 122 ] وقوله: { انفروا خِفَافًا } [ التوبة: 41 ] .

المسألة الثانية؛ احتج أصحابنا بهذه الآية على صحة قولهم في مسألة القضاء والقدر من وجوه: الأول: أنه تعالى قال: { وَقَضَيْنَا إلى بَنِى إسراءيل فِى الكتاب لَتُفْسِدُنَّ فِى الأرض مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا } وهذا القضاء أقل احتمالاته الحكم الجزم ، والخبر الحتم ، فثبت أنه تعالى أخبر عنهم أنهم سيقدمون على الفساد والمعاصي خبرًا جزمًا لا يقبل النسخ ، لأن القضاء معناه الحكم الجزم على ما شرحناه . ثم إنه تعالى أكد ذلك القضاء مزيد تأكيد فقال: { وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولًا } .

إذا ثبت هذا فنقول: عدم وقوع ذلك الفساد عنهم يستلزم انقلاب خبر الله تعالى الصدق كذبًا وانقلاب حكمه الجازم باطلًا ، وانقلاب علمه الحق جهلًا ، وكل ذلك محال ، فكان عدم إقدامهم على ذلك الفساد محالًا ، فكان إقدامهم عليه واجبًا ضروريًا لا يقبل النسخ والرفع ، مع أنهم كلفوا بتركه ولعنوا على فعله ، وذلك يدل على قولنا: إن الله قد يأمر بشيء ويصد عنه وقد ينهى عن شيء ويقضي بتحصيله ، فهذا أحد وجوه الاستدلال بهذه الآية .

الوجه الثاني: في الاستدلال بهذه الآية قوله تعالى: { بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُوْلِى بَأْسٍ شَدِيدٍ } والمراد أولئك الذين تسلطوا على بني إسرائيل بالقتل والنهب والأسر ، فبين تعالى أنه هو الذي بعثهم على بني إسرائيل ، ولا شك أن قتل بني إسرائيل ونهب أموالهم وأسر أولادهم كان مشتملًا على الظلم الكثير والمعاصي العظيمة . ثم إنه تعالى أضاف كل ذلك إلى نفسه بقوله: { ثُمَّ بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ } وذلك يدل على أن الخير والشر والطاعة والمعصية من الله تعالى .

أجاب الجبائي عنه من وجهين: الأول: المراد من { بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ } هو أنه تعالى أمر أولئك الأقوام بغزو بني إسرائيل لما ظهر فيهم من الفساد ، فأضيف ذلك الفعل إلى الله تعالى من حيث الأمر . والثاني: أن يكون المراد خلينا بينهم وبين بني إسرائيل ، وما ألقينا الخوف من بني إسرائيل في قلوبهم . وحاصل الكلام أن المراد من هذا البعث التخلية وعدم المنع .

واعلم أن الجواب الأول ضعيف؛ لأن الذين قصدوا تخريب بيت المقدس وإحراق التوراة وقتل حفاظ التوراة لا يجوز أن يقال إنهم فعلوا ذلك بأمر الله تعالى . والجواب الثاني أيضًا ضعيف ، لأن البعث على الفعل عبارة عن التقوية عليه وإلقاء الدواعي القوية في القلب ، وأما التخلية فعبارة عن عدم المنع ، والأول فعل ، والثاني ترك ، فتفسير البعث بالتخلية تفسير لأحد الضدين بالآخر وأنه لا يجوز ، فثبت صحة ما ذكرناه ، والله أعلم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت