فهرس الكتاب

الصفحة 4505 من 8321

المسألة الثانية: قرأ العامة: ليسوؤا على صيغة المغايبة ، قال الواحدي: وهي موافقة للمعنى وللفظ . أما المعنى فهو أن المبعوثين هم الذين يسوؤنهم في الحقيقة ، لأنهم هم الذين يقتلون ويأسرون وأما اللفظ فلأنه يوافق قوله: { وَلِيَدْخُلُواْ المسجد } وقرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم وحمزة: { ليسوء } على إسناد الفعل إلى الواحد ، وذلك الواحد يحتمل أن يكون أحد أشياء ثلاثة: إما اسم الله سبحانه لأن الذي تقدم هو قوله: { ثم رددنا . . . وأمددناكم } [ الإسراء: 6 ] ، وكل ذلك ضمير عائد إلى الله تعالى ، وإما أن يكون ذلك الواحد هو البعث ودل عليه قوله: { بَعَثْنَا } والفعل المتقدم يدل على المصدر كقوله تعالى: { وَلاَ يَحْسَبَنَّ الذين يَبْخَلُونَ بِمَا ءاتاهم الله مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَّهُمْ } [ آل عمران: 180 ] وقال الزجاج: ليسوء الوعد وجوهكم ، وقرأ الكسائي بالنون وهذا على إسناد الفعل إلى الله تعالى كقوله: { بعثنا عليكم } { أمددناكم } .

ثم قال تعالى: { وَلِيُتَبّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيرًا } يقال: تبر الشيء تبرًا إذا هلك وتبره أهلكه . قال الزجاج: كل شيء جعلته مكسرًا ومفتتًا فقد تبرته ، ومنه قيل: تبر الزجاج وتبر الذهب لمكسره ، ومنه قوله تعالى: { إِنَّ هَؤُلاء مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ وباطل مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } [ الأعراف: 139 ] وقوله: { وَلاَ تَزِدِ الظالمين إلا تبارًا } [ نوح: 28 ] وقوله: { مَا عَلَوْاْ } يحتمل ما غلبوا عليه وظفروا به ، ويحتمل ويتبروا ما داموا غالبين ، أي ما دام سلطانهم جاريًا على بني إسرائيل ، وقوله: { تَتْبِيرًا } ذكر للمصدر على معنى تحقيق الخبر وإزالة الشك في صدقه كقوله: { وَكَلَّمَ الله موسى تَكْلِيمًا } [ النساء: 164 ] أي حقًا ، والمعنى: وليدمروا ويخربوا ما غلبوا عليه .

ثم قال تعالى: { عسى رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ } والمعنى: لعل ربكم أن يرحمكم ويعفو عنكم بعد انتقامه منكم يا بني إسرائيل .

ثم قال: { وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا } يعني: أن بعثنا عليكم من بعثنا ، ففعلوا بكم ما فعلوا عقوبة لكم وعظة لتنتفعوا به وتنزجروا به عن ارتكاب المعاصي ، ثم رحمكم فأزال هذا العذاب عنكم ، فإن عدتم مرة أخرى إلى المعصية عدنا إلى صب البلاء عليكم في الدنيا مرة أخرى . قال القفال: إنما حملنا هذه الآية على عذاب الدنيا لقوله تعالى في سورة الأعراف خبرًا عن بني إسرائيل: { وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إلى يَوْمِ القيامة مَن يَسُومُهُمْ سُوء العذاب } [ الأعراف: 167 ] ثم قال: { وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا } أي وإنهم قد عادوا إلى فعل ما لا ينبغي وهو التكذيب لمحمد A وكتمان ما ورد في التوراة والإنجيل ، فعاد الله عليهم بالتعذيب على أيدي العرب . فجرى على بني النضير وقريظة وبني قينقاع ويهود خيبر ما جرى من القتل والجلاء ، ثم الباقون منهم مقهورون بالجزية لا ملك لهم ولا سلطان .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت