والوجه الثاني: في التأويل أن نقول: وإذا أردنا أن نهلك قرية بسبب ظهور المعاصي من أهلها لم نعاجلها بالعذاب في أول ظهور المعاصي منهم ، بل أمرنا مترفيها بالرجوع عن تلك المعاصي ، وإنما خص المترفين بذلك الأمر ، لأن المترف هو المتنعم ومن كثرت نعم الله عليه كان قيامه بالشكر أوجب ، فإذا أمرهم بالتوبة والرجوع مرة بعد أخرى مع أنه تعالى لا يقطع عنهم تلك النعم بل يزيدها حالًا بعد حال فحينئذ يظهر عنادهم وتمردهم وبعدهم عن الرجوع عن الباطل إلى الحق ، فحينئذ يصب الله البلاء عليهم صبًا ، ثم قال القفال: وهذان التأويلان راجعان إلى أن الله تعالى أخبر عباده أنه لا يعاجل بالعقوبة أمة ظالمة حتى يعذر إليهم غاية الأعذار الذي يقع منه اليأس من إيمانهم ، كما قال في قوم نوح: { وَلاَ يَلِدُواْ إِلاَّ فَاجِرًا كَفَّارًا } [ نوح: 27 ] وقال: { أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ من قد آمن } [ هود: 36 ] وقال في غيرهم: { فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ بِهِ مِن قَبْلُ } [ يونس: 74 ] فأخبر تعالى أولًا أنه لا يظهر العذاب إلا بعد بعثة الرسول E . ثم أخبر ثانيًا في هذه الآية أنه إذا بعث الرسول أيضًا فكذبوا لم يعاجلهم بالعذاب ، بل يتابع عليهم النصائح والمواعظ ، فإن بقوا مصرين على الذنوب فهناك ينزل عليهم عذاب الاستئصال ، وهذا التأويل الذي ذكره القفال في تطبيق الآية على قول المعتزلة لم يتيسر لأحد من شيوخ المعتزلة مثله .
وأجاب الجبائي بأن قال: ليس المراد من الآية أنه تعالى يريد إهلاكهم قبل أن يعصوا ويستحقوا ، وذلك لأنه ظلم وهو على الله محال ، بل المراد من الإرادة قرب تلك الحالة فكان التقدير وإذا قرب وقت إهلاك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها وهو كقول القائل: إذا أراد المريض أن يموت ازدادت أمراضه شدة ، وإذا أراد التاجر أن يفتقر أتاه الخسران من كل جهة ، وليس المراد أن المريض يريد أن يموت ، والتاجر يريد أن يفتقر وإنما يعنون أنه سيصير كذلك فكذا ههنا .
واعلم أن جميع الوجوه الثلاثة التي ذكرناها في التمسك بهذه الآية ، لا شك أن كلها عدول عن ظاهر اللفظ ، أما الوجه الثاني والثالث فقد بقي سليمًا عن الطعن ، والله أعلم .
المسألة الثالثة: المشهور عند القراء السبعة: { أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا } بالتخفيف غير ممدودة الألف ، وروي برواية غير مشهورة عن نافع وابن عباس: { آمْرُنَا } بالمد ، وعن أبي عمرو { أَمْرُنَا } بالتشديد فالمد على الكثير يقال: أمر القوم بكسر الميم إذا كثروا وآمرهم الله بالمد ، أي كثرهم الله . والتشديد على التسليط ، أي سلطنا مترفيها ، ومعناه التخلية وزوال المنع بالقهر ، والله أعلم .