فهرس الكتاب

الصفحة 4551 من 8321

[ المائدة: 116 ] الآية فالمخاطبة لعيسى عليه السلام والإنكار على غيره .

النوع الثاني: من الأوامر المذكورة في هذه الآية قوله: { وَأَوْفُوا الكيل إِذا كِلْتُمْ } والمقصود منه إتمام الكيل وذكر الوعيد الشديد في نقصانه في قوله: { وَيْلٌ لّلْمُطَفّفِينَ * الذين إِذَا اكتالوا عَلَى الناس يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ } [ المطففين: 1 3 ] .

النوع الثالث: من الأوامر المذكورة في هذه الآية قوله: { وَزِنُواْ بالقسطاس المستقيم } فالآية المتقدمة في إتمام الكيل ، وهذه الآية في إتمام الوزن ، ونظيره قوله تعالى: { وَأَقِيمُواْ الوزن بالقسط وَلاَ تُخْسِرُواْ الميزان } [ الرحمن: 9 ] وقوله: { وَلاَ تَبْخَسُواْ الناس أَشْيَاءهُمْ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِى الأرض مُفْسِدِينَ } [ هود: 85 ] .

واعلم أن التفاوت الحاصل بسبب نقصان الكيل ، والوزن قليل . والوعيد الحاصل عليه شديد عظيم ، فوجب على العاقل الاحتراز منه ، وإنما عظم الوعيد فيه لأن جميع الناس محتاجون إلى المعاوضات والبيع والشراء ، وقد يكون الإنسان غافلًا لا يهتدي إلى حفظ ماله ، فالشارع بالغ في المنع من التطفيف والنقصان ، سعيًا في إبقاء الأموال على الملاك ، ومنعًا من تلطيخ النفس بسرقة ذلك المقدار الحقير ، والقسطاس في معنى الميزان إلا أنه في العرف أكبر منه ، ولهذا اشتهر في ألسنة العامة أنه القبان . وقيل أنه بلسان الروم أو السرياني . والأصح أنه لغة العرب وهو مأخوذ من القسط ، وهو الذي يحصل فيه الاستقامة والاعتدال ، وبالجملة فمعناه المعتدل الذي لا يميل إلى أحد الجانبين ، وأجمعوا على جواز اللغتين فيه ، ضم القاف وكسرها ، فالكسر قراءة حمزة والكسائي وحفص عن عاصم والباقون بالضم .

ثم قال تعالى: { ذلك خَيْرٌ } أي الإيفاء بالتمام والكمال خير من التطفيف القليل من حيث أن الإنسان يتخلص بواسطته عن الذكر القبيح في الدنيا والعقاب الشديد في الآخرة: { وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا } والتأويل ما يؤل إليه الأمر كما قال في موضع آخر: { خَيْرٌ مَّرَدًّا } [ مريم: 76 ] { خَيْرٌ عُقْبًا } [ الكهف: 44 ] { خَيْرٌ أَمَلًا } [ الكهف: 46 ] وإنما حكم تعالى بأن عاقبة هذا الأمر أحسن العواقب ، لأنه في الدنيا إذا اشتهر بالاحتراز عن التطفيف عول الناس عليه ومالت القلوب إليه وحصل له الاستغناء في الزمان القليل ، وكم قد رأينا من الفقراء لما اشتهروا عند الناس بالأمانة والاحتراز عن الخيانة أقبلت القلوب عليهم وحصلت الأموال الكثيرة لهم في المدة القليلة . وأما في الآخرة فالفوز بالثواب العظيم والخلاص من العقاب الأليم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت