فهرس الكتاب

الصفحة 4553 من 8321

أجيب عنه من وجوه: الأول: أن الحكم في الدين بمجرد الظن جائز بإجماع الأمة في صور كثيرة: أحدها: أن العمل بالفتوى عمل بالظن وهو جائز . وثانيها: العمل بالشهادة عمل بالظن وأنه جائز . وثالثها: الاجتهاد في طلب القبلة لا يفيد إلا الظن وأنه جائز . ورابعها: قيم المتلفات وأروش الجنايات لا سبيل إليها إلا بالظن وأنه جائز . وخامسها: الفصد والحجامة وسائر المعالجات بناء على الظن وأنه جائز . وسادسها: كون هذه الذبيحة ذبيحة للمسلم مظنون لا معلوم ، وبناء الحكم عليه جائز . وسابعها: قال تعالى: { وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فابعثوا حَكَمًا مّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مّنْ أَهْلِهَا } [ النساء: 35 ] وحصول ذلك الشقاق مظنون لا معلوم . وثامنها: الحكم على الشخص المعين بكونه مؤمنًا مظنون ثم نبني على هذا الظن أحكامًا كثيرة مثل حصول التوارث ومثل الدفن في مقابر المسلمين وغيرهما . وتاسعها: جميع الأعمال المعتبرة في الدنيا من الأسفار ، وطلب الأرباح والمعاملات إلى الآجال المخصوصة والاعتماد على صداقة الأصدقاء وعداوة الأعداء كلها مظنونة وبناء الأمر على تلك الظنون جائز . وعاشرها: قال عليه السلام: « نحن نحكم بالظاهر والله يتولى السرائر » وذلك تصريح بأن الظن معتبر في هذه الأنواع العشرة فبطل قول من يقول: إنه لا يجوز بناء الأمر على الظن .

والجواب الثاني: أن الظن قد يسمى بالعلم . والدليل عليه قوله تعالى: { إِذَا جَاءكُمُ المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أَعْلَمُ بإيمانهن فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مؤمنات فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الكفار } [ الممتحنة: 10 ] ومن المعلوم أنه إنما يمكن العلم بإيمانهن بناء على إقرارهن ، وذلك لا يفيد إلا الظن ، فههنا الله تعالى سمى الظن علمًا .

والجواب الثالث: أن الدليل القاطع لما دل على وجوب العمل بالقياس ، وكان ذلك الدليل دليلًا على أنه متى حصل ظن أن حكم الله في هذه السورة يساوي حكمه في محل النص ، فأنتم مكلفون بالعمل على وفق ذلك الظن ، فههنا الظن وقع في طريق الحكم ، فأما ذلك الحكم فهو معلوم متيقن .

أجاب نفاة القياس عن السؤال الأول فقالوا: قوله تعالى: { وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ } عام دخله التخصيص في الصور العشرة المذكورة ، فيبقى هذا العموم فيما وراء هذه الصور حجة ، ثم نقول: الفرق بين هذه الصور العشر وبين محل النزاع أن هذه الصور العشر مشتركة في أن تلك الأحكام أحكام مختصة بأشخاص معينين في أوقات معينة ، فإن الواقعة التي يرجع فيها الإنسان المعين إلى المعنى المعين واقعة متعلقة بذلك الشخص المعين ، وكذلك القول في الشهادة وفي طلب القبلة وفي سائر الصور . والتنصيص على وقائع الأشخاص المعينين في الأوقات المعينة يجري مجرى التنصيص على ما لا نهاية له ، وذلك متعذر ، فلهذه الضرورة اكتفينا بالظن . أما الأحكام المثبتة بالأقيسة فهي أحكام كلية معتبرة في وقائع كلية وهي مضبوطة قليلة ، والتنصيص عليها ممكن ولذلك فإن الفقهاء الذين استخرجوا تلك الأحكام بطريق القياس ضبطوها وذكروها في كتبهم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت