{ ذلك خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا } [ الإسراء: 35 ] ثم ابتدأ وقال: { وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ } [ الإسراء: 36 ] { وَلاَ تَمْشِ فِى الأرض مَرَحًا } [ الإسراء: 37 ] .
ثم قال: { كُلُّ ذلك كَانَ سَيّئُهُ } والمراد هذه الأشياء الأخيرة التي نهى الله عنها . والثاني: أن المراد بقوله: { كُلُّ ذلك } أي كل ما نهى الله عنه فيما تقدم . وأما قوله: { مَكْرُوهًا } فذكروا في تصحيحه على هذه القراءة وجوهًا: الأول: التقدير: كل ذلك كان سيئة وكان مكروهًا . الثاني: قال صاحب «الكشاف» : السيئة في حكم الأسماء بمنزلة الذنب والإثم زال عنه حكم الصفات فلا اعتبار بتأنيثه ، ولا فرق بين من قرأ سيئة ومن قرأ سيئه . ألا ترى أنك تقول: الزنا سيئة كما تقول السرقة سيئة ، فلا تفرق بين إسنادها إلى مذكر ومؤنث . الثالث: فيه تقديم وتأخير ، والتقدير: كل ذلك كان مكروهًا وسيئة عند ربك . الرابع: أنه محمول على المعنى لأن السيئة هي الذنب وهو مذكر .
المسألة الثانية: قال القاضي: دلت هذه الآية على أن هذه الأعمال مكروهة عند الله تعالى ، والمكروه لا يكون مرادًا له ، فهذه الأعمال غير مرادة لله تعالى فبطل قول من يقول: كل ما دخل في الوجود فهو مراد لله تعالى . وإذا ثبت أنها ليست بإرادة الله تعالى وجب أن لا تكون مخلوقة له لأنها لو كانت مخلوقة لله تعالى لكانت مرادة له لا يقال: المراد من كونها مكروهة أن الله تعالى نهى عنها ، وأيضًا معنى كونها مكروهة أن الله تعالى كره وقوعها وعلى هذا التقدير فهذا لا يمنع أن الله تعالى أراد وجودها ، لأن الجواب عن الأول أنه عدول عن الظاهر ، وأيضًا فكونها سيئة عند ربك يدل على كونها منهيًا عنها فلو حملنا المكروه على النهي لزم التكرار .
والجواب عن الثاني: أنه تعالى إنما ذكر هذه الآية في معرض الزجر عن هذه الأفعال ، ولا يليق بهذا الموضع أن يقال: إنه يكره وقوعها هذا تمام هذا الاستدلال .
والجواب: أن المراد من المكروه المنهي عنه ولا بأس بالتكرير لأجل التأكيد ، والله أعلم .
المسألة الثالثة: قال القاضي: دلت هذه الآية على أنه تعالى كما أنه موصوف بكونه مريدًا فكذلك أيضًا موصوف بكونه كارهًا . وقال أصحابنا: الكراهية في حقه تعالى محمولة إما على النهي أو على إرادة العدم ، والله أعلم .