فهرس الكتاب

الصفحة 4577 من 8321

وإذا ثبت هذا ثبت أنه لا ضار ولا نافع إلا الله تعالى ، فوجب القطع بأنه لا معبود إلا الله تعالى ، وهذه الطريقة لا تتم للمعتزلة لأنهم لما جوزوا كون العبد موجدًا لأفعاله امتنع عليهم الاستدلال على أن الملائكة لا قدرة لها على الإحياء والإماتة وخلق الجسم . وإذا عجزوا عن ذلك لم يتم لهم هذا الدليل فهذا هو ذكر الدليل القاطع على صحة قوله: { لاَّ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضر عَنْكُمْ وَلاَ تَحْوِيلًا } والتحويل عبارة عن النقل من حال إلى حال ومكان إلى مكان يقال: حوله فتحول .

ثم قال تعالى: { أُولَئِكَ الذين يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبّهِمُ الوسيلة } وفيه قولان: الأول: قال الفراء قوله: { يَدَّعُونَ } فعل الآدميين العابدين . وقوله: { يَبْتَغُونَ } فعل المعبودين ومعناه أولئك المعبودين يبتغون إلى ربهم الوسيلة ، فإنه لا نزاع أن الملائكة يرجعون إلى الله في طلب المنافع ودفع المضار ويرجون رحمته ويخافون عذابه وإذا كان كذلك كانوا موصوفين بالعجز والحاجة ، والله تعالى أغنى الأغنياء فكان الاشتغال بعبادته أولى .

فإن قالوا: لا نسلم أن الملائكة محتاجون إلى رحمة الله وخائفون من عذابه ، فنقول: هؤلاء الملائكة إما أن يقال: إنها واجبة الوجود لذواتها ، أو يقال: ممكنة الوجود لذواتها ، والأول باطل لأن جميع الكفار كانوا معترفين بأن الملائكة عباد الله ومحتاجون إليه ، وأما الثاني فهو يوجب القول بكون الملائكة محتاجين في ذواتها وفي كمالاتها إلى الله تعالى ، فكان الاشتغال بعبادة الله أولى من الاشتغال بعبادة الملائكة .

والقول الثاني: أن قوله: { أُولَئِكَ الذين يَدْعُونَ } هم الأنبياء الذين ذكرهم الله تعالى بقوله: { وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النبيين على بَعْضٍ } [ الإسراء: 55 ] وتعلق هذا الكلام بما سبق هو أن الذين عظمت منزلتهم وهم الأنبياء لا يعبدون إلا الله تعالى ولا يبتغون الوسيلة إلا إليه ، فأنتم بالاقتداء بهم حق فلا تعبدوا غير الله تعالى . واحتج القائلون بهذا القول على صحته بأن قالوا: الملائكة لا يعصون الله فلا يخافون عذابه ، فثبت أن هذا غير لائق بالملائكة وإنما هو لائق بالأنبياء .

قلنا: الملائكة يخافون عذاب الله لو أقدموا على الذنب والدليل عليه قوله تعالى: { وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنّي إله مّن دُونِهِ فذلك نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ } [ الأنبياء: 29 ] .

أما قوله: { إِنَّ عَذَابَ رَبّكَ كَانَ مَحْذُورًا } فالمراد أن من حقه أن يحذر ، فإن لم يحذره بعض الناس لجهله فهو لا يخرج من كونه بحيث يجب الحذر عنه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت