{ اقرأ باسم رَبّكَ الذى خَلَقَ * خَلَقَ الإنسان مِنْ عَلَقٍ * اقرأ وَرَبُّكَ الأكرم * الذى عَلَّمَّ بالقلم } [ العلق: 1 4 ] ووصف نفسه بالتكريم عند تربيته للإنسان فقال: { وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِى ءادَمَ } ووصف نفسه بالكرم في آخر أحوال الإنسان فقال: { ياأيها الإنسان مَا غَرَّكَ بِرَبّكَ الكريم } [ الإنفطار: 6 ] وهذا يدل على أنه لا نهاية لكرم الله تعالى ولفضله وإحسانه مع الإنسان ، والله أعلم .
والوجه الحادي عشر: قال بعضهم هذا التكريم معناه أنه تعالى خلق آدم بيده وخلق غيره بطريق كن فيكون . ومن كان مخلوقًا بيد الله كانت العناية به أتم وأكمل ، وكان أكرم وأكمل ولما جعلنا من أولاده وجب كون بني آدم أكرم وأكمل ، والله أعلم .
النوع الثاني: من المدائح المذكورة في هذه الآية قوله: { وحملناهم فِى البر والبحر } قال ابن عباس في البر على الخيل والبغال والحمير والإبل وفي البحر على السفن ، وهذا أيضًا من مؤكدات التكريم المذكور أولًا ، لأنه تعالى سخر هذه الدواب له حتى يركبها ويحمل عليها ويغزو ويقاتل ويذب عن نفسه ، وكذلك تسخير الله تعالى المياه والسفن وغيرها ليركبها وينقل عليها ويتكسب بها مما يختص به ابن آدم ، كل ذلك مما يدل على أن الإنسان في هذا العالم كالرئيس المتبوع والملك المطاع وكل ما سواه فهو رعيته وتبع له .
النوع الثالث: من المدائح قوله: { وَرَزَقْنَاهُمْ مّنَ الطيبات } وذلك لأن الأغذية إما حيوانية وإما نباتية ، وكلا القسمين إنما يتغذى الإنسان منه بألطف أنواعها وأشرف أقسامها بعد التنقية التامة والطبخ الكامل والنضج البالغ ، وذلك مما لا يحصل إلا للإنسان .
النوع الرابع: قوله: { وفضلناهم على كَثِيرٍ مّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا } وههنا بحثان:
البحث الأول: أنه قال في أول الآية: { وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِى ءادَمَ } وقال في آخرها: { وفضلناهم } ولا بد من الفرق بين هذا التكريم والتفضيل وإلا لزم التكرار ، والأقرب أن يقال: إنه تعالى فضل الإنسان على سائر الحيوانات بأمور خلقية طبيعية ذاتية مثل العقل والنطق والخط والصورة الحسنة والقامة المديدة ، ثم إنه تعالى عرضه بواسطة ذلك العقل والفهم لاكتساب العقائد الحقة والأخلاق الفاضلة ، فالأول هو التكريم والثاني هو التفضيل .
البحث الثاني: أنه تعالى لم يقل: وفضلناهم على الكل بل قال: { وفضلناهم على كَثِيرٍ مّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا } فهذا يدل على أنه حصل في مخلوقات الله تعالى شيء لا يكون الإنسان مفضلًا عليه ، وكل من أثبت هذا القسم قال: إنه هو الملائكة . فلزم القول بأن الإنسان ليس أفضل من الملائكة بل الملك أفضل من الإنسان ، وهذا القول مذهب ابن عباس واختيار الزجاج على ما رواه الواحدي في البسيط . واعلم أن هذا الكلام مشتمل على بحثين: