الأول: قال ابن عباس Bهما: إن الإنسان ها هنا هو الوليد بن المغيرة وهذا بعيد ، بل المراد أن نوع الإنسان من شأنه أنه إذا فاز بمقصوده ووصل إلى مطلوبه اغتر وصار غافلًا عن عبودية الله تعالى متمردًا عن طاعة الله كما قال: { إِنَّ الإنسان ليطغى أَن رَّءاهُ استغنى } [ العلق: 6 ، 7 ] .
البحث الثاني: قوله { أعرض } أي ولى ظهره أي عرضه إلى ناحية ونأى بجانبه أي تباعد ، ومعنى النأي في اللغة البعد والإعراض عن الشيء أن يوليه عرض وجهه والنأي بالجانب أن يلوي عنه عطفه ويوليه ظهره وأراد الاستكبار لأن ذلك عادة المتكبرين وفي قوله { نأى } قراءات . إحداها: وهي قراءة العامة بفتح النون والهمزة وفي حم السجدة مثله وهي اللغة الغالبة والنأي البعد يقال نأى أي بعد . وثانيها: قراءة ابن عامر ناء وله وجهان تقديم اللام على العين كقولهم راء في رأى ويجوز أن يكون من نأى بمعنى نهض . وثالثها: قراءة حمزة والكسائي بإمالة الفتحتين وذلك لأنهم أمالوا الهمزة من نأى ثم كسروا النون إتباعًا للكسرة مثل رأى . ورابعها: قرأ أبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر ونصير عن الكسائي وحمزة نأى بفتح النون وكسر الهمزة على الأصل في فتح النون وإمالة الهمزة . ثم قال تعالى: { وَإِذَا مَسَّهُ الشر كَانَ يؤوسًا } أي إذا مسه فقر أو مرض أو نازلة من النوازل كان يؤوسًا شديد اليأس من رحمة الله: { وَلاَ ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون } [ يوسف: 87 ] والحاصل أنه إن فاز بالنعمة والدولة اغتر بها فنسي ذكر الله ، وإن بقي في الحرمان عن الدنيا استولى عليه الأسف والحزن ولم يتفرغ لذكر الله تعالى فهذا المسكين محروم أبدًا عن ذكر الله ونظيره قوله تعالى: { فَأَمَّا الإنسان إِذَا مَا ابتلاه رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبّى أَكْرَمَنِ } [ الفجر: 15 ] إلى قوله: { رَبّى أَهَانَنِ } [ الفجر: 16 ] وكذلك قوله: { إِنَّ الإنسان خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشر جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الخير مَنُوعًا } [ المعارج: 19 21 ] ثم قال تعالى: { قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ على شَاكِلَتِهِ } قال الزجاج: الشاكلة الطريقة والمذهب . والدليل عليه أنه يقال هذا طريق ذو شواكل أي يتشعب منه طرق كثيرة ثم الذي يقوي عندي أن المراد من الآية ذلك قوله تعالى: { فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أهدى سَبِيلًا } وفيه وجه آخروهو أن المراد أن كل أحد يفعل على وفق ما شاكل جوهر نفسه ومقتضى روحه فإن كانت نفسه نفسًا مشرقة خيرة طاهرة علوية صدرت عنه أفعال فاضلة كريمة وإن كانت نفسه نفسًا كدرة نذلة خبيثة مضلة ظلمانية صدرت عنه أفعال خسيسة فاسدة ، وأقول: العقلاء اختلفوا في أن النفوس الناطقة البشرية هل هي مختلفة بالماهية أم لا؟ منهم من قال: إنها مختلفة بالماهية وإن اختلاف أفعالها وأحوالها لأجل اختلاف جواهرها وماهياتها ، ومنهم من قال إنها متساوية في الماهية واختلاف أفعالها لأجل اختلاف أمزجتها . والمختار عندي هو القسم الأول والقرآن مشعر بذلك ، وذلك لأنه تعالى بين في الآية المتقدمة أن القرآن بالنسبة إلى البعض يفيد الشفاء والرحمة وبالنسبة إلى أقوام آخرين يفيد الخسارة والخزي ثم أتبعه بقوله: { قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ على شَاكِلَتِهِ } ومعناه أن اللائق بتلك النفوس الطاهرة أن يظهر فيها من القرآن آثار الذكاء والكمال ، وبتلك النفوس الكدرة أن يظهر فيها من القرآن آثار الخزي والضلال كما أن الشمس تعقد الملح وتلين الدهن وتبيض ثوب القصار وتسود وجهه . وهذا الكلام إنما يتم المقصود منه إذا كانت الأرواح والنفوس مختلفة بماهياتها فبعضها مشرقة صافية يظهر فيها من القرآن نور على نور وبعضها كدرة ظلمانية يظهر فيها من القرآن ضلال على ضلال ونكال على نكال .