فهرس الكتاب

الصفحة 4628 من 8321

المسألة السادسة: في إثبات أن النفس ليست بجسم من الدلائل السمعية .

الحجة الأولى: قوله تعالى: { وَلاَ تَكُونُواْ كالذين نَسُواْ الله فأنساهم أَنفُسَهُمْ } [ الحشر: 19 ] ومعلوم أن أحدًا من العقلاء لا ينسى هذا الهيكل المشاهد فدل ذلك على أن النفس التي ينساها الإنسان عند فرط الجهل شيء آخر غير هذا البدن .

الحجة الثانية: قوله تعالى: { أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ } [ الأنعام: 93 ] وهذا صريح أن النفس غير البدن وقد استقصينا في تفسير هذه فليرجع إليه .

الحجة الثالثة: أنه تعالى ذكر مراتب الخلقة الجسمانية فقال: { وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان مِن سلالة مّن طِينٍ * ثُمَّ جعلناه نُطْفَةً فِى قَرَارٍ مَّكِينٍ } [ المؤمنون: 12 ، 13 ] إلى قوله: { فَكَسَوْنَا العظام لَحْمًا } [ المؤمنون: 14 ] ولا شك أن جميع هذه المراتب اختلافات واقعة في الأحوال الجسمانية ثم إنه تعالى لما أراد أن يذكر نفخ الروح قال: { ثم أنشأناه خلقًا آخر } [ المؤمنون: 14 ] وهذا تصريح بأن ما يتعلق بالروح جنس مغاير لما سبق ذكره من التغيرات الواقعة في الأحوال الجسمانية وذلك يدل على أن الروح شيء مغاير للبدن فإن قالوا هذه الآية حجة عليكم لأنه تعالى قال: { وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان مِن سلالة مّن طِينٍ } [ المؤمنون: 12 ] وكلمة من للتبعيض وهذا يدل على أن الإنسان بعض من أبعاض الطين قلنا كلمة من أصلها لابتداء الغاية كقولك خرجت من البصرة إلى الكوفة فقوله تعالى: { وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان مِن سلالة مّن طِينٍ } يقتضي أن يكون ابتداء تخليق الإنسان حاصلًا من هذه السلالة ونحن نقول بموجبه لأنه تعالى يسوي المزاج أولًا ثم ينفخ فيه الروح فيكون ابتداء تخليقه من السلالة .

الحجة الرابعة: قوله: { فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى } [ الحجر: 29 ] ميز تعالى بين البشرية وبين نفخ الروح فالتسوية عبارة عن تخليق الأبعاض والأعضاء وتعديل المزاج والأشباح فلما ميز نفخ الروح عن تسوية الأعضاء ثم أضاف الروح إلى نفسه بقوله: { مِن رُّوحِى } دل ذلك على أن جوهر الروح معنى مغاير لجوهر الجسد .

الحجة الخامسة: قوله تعالى: { وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا } [ الشمس: 7 ، 8 ] وهذه الآية صريحة في وجود شيء موصوف بالإدراك والتحريك حقًا لأن الإلهام عبارة عن الإدراك ، وأما الفجور والتقوى فهو فعل وهذه الآية صريحة في أن الإنسان شيء واحد وهو موصوف أيضًا بالإدراك والتحريك وموصوف أيضًا بفعل الفجور تارة وفعل التقوى تارة أخرى ومعلوم أن جملة البدن غير موصوف بهذين الوصفين فلا بد من إثبات جوهر آخر يكون موصوفًا بكل هذه الأمور .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت