المسألة الثانية: قال القاضي: معنى قوله: { لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلًا } هو أنه يبلوهم ليبصرهم أيهم أطوع لله وأشد استمرارًا على خدمته لأن من هذا حاله هو الذي يفوز بالجنة فبين تعالى أنه كلف لأجل ذلك لا لأجل أن يعصى ، فدل ذلك على بطلان قول من يقول: خلق بعضهم للنار .
المسألة الثالثة: اللام في قوله: { لِنَبْلُوَهُمْ } تدل ظاهرًا على أن أفعال الله معللة بالأغراض عند المعتزلة ، وأصحابنا قالوا: هذا محال لأن التعليل بالغرض إنما يصح في حق من لا يمكنه تحصيل ذلك الغرض إلا بتلك الواسطة ، وهذا يقتضي العجز وهو على الله محال .
المسألة الرابعة: قال الزجاج: { أيهم } رفع بالابتداء إلا أن لفظه لفظ الاستفهام ، والمعنى لنختبر ونمتحن هذا أحسن عملًا أم ذاك ، ثم قال تعالى: { وإن لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا } والمعنى أنه تعالى بين أنه إنما زين الأرض لأجل الامتحان والابتلاء لا لأجل أن يبقى الإنسان فيها متنعمًا أبدًا لأنه يزهد فيها بقوله: { وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا } الآية ونظيره قوله: { كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ } [ الرحمن: 26 ] وقوله: { فَيَذَرُهَا قَاعًا } [ طه: 106 ] الآية ، وقوله: { وَإِذَا الأرض مُدَّتْ } [ الانشقاق: 3 ] الآية . والمعنى أنه لا بد من المجازاة بعد فناء ما على الأرض ، وتخصيص الإبطال والإهلاك بما على الأرض يوهم بقاء الأرض إلا أن سائر الآيات دلت على أن الأرض أيضًا لا تبقى وهو قوله: { يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرض غَيْرَ الأرض } [ إبراهيم: 48 ] قال أبو عبيدة: الصعيد المستوي من الأرض ، وقال الزجاج: هو الطريق الذي لا نبات فيه ، وقد ذكرنا تفسير الصعيد في آية التيمم ، وأما الجرز فقال الفراء: الجرز الأرض التي لا نبات عليها ، يقال: جرزت الأرض فهي مجروزة ، وجرزها الجراد والشاء والإبل إذا أكلت ما عليها ، وامرأة جروز إذا كانت أكولًا ، وسيف جراز إذا كان مستأصلًا ، ونظيره قوله تعالى: { نَسُوقُ الماء إِلَى الأرض الجرز } [ السجدة: 27 ] .