فهرس الكتاب

الصفحة 467 من 8321

وثانيها: أن ظاهر الآية يدل على أنه ليس للجنة أهل إلا العلماء ، وذلك لأن كلمة إنما للحصر ، فهذا يدل على أن خشية الله لا تحصل إلا للعلماء . والآية الثانية وهي قوله: { ذَلِكَ لِمَنْ خَشِىَ رَبَّهُ } [ البينة: 8 ] دالة على أن الجنة لأهل الخشية وكونها لأهل الخشية ينافي كونها لغيرهم ، فدل مجموع الآيتين على أنه ليس للجنة أهل إلا العلماء واعلم أن هذه الآية فيها تخويف شديد ، وذلك لأنه ثبت أن الخشية من الله تعالى من لوازم العلم بالله ، فعند عدم الخشية يلزم عدم العلم بالله ، وهذه الدقيقة تنبهك على أن العلم الذي هو سبب القرب من الله تعالى هو الذي يورث الخشية ، وأن أنواع المجادلات وإن دقت وغمضت إذا خلت عن إفادة الخشية كانت من العلم المذموم . وثالثها: قرىء { إِنَّمَا يَخْشَى الله مِنْ عِبَادِهِ العلماء } برفعه الأول ونصب الثاني ، ومعنى هذه القراءة: أنه تعالى لو جازت الخشية عليه؛ لما خشي العلماء ، لأنهم هم الذين يميزون بين ما يجوز وبين ما لا يجوز . وأما الجاهل الذي لا يميز بين هذين البابين فأي مبالاة به وأي التفات إليه ، ففي هذه القراءة نهاية المنصب للعلماء والتعظيم . الرابع: قوله تعالى: { وَقُلْ رَبّى زِدْنِى عِلْمًا } [ طه: 114 ] . وفيه أدل دليل على نفاسة العلم وعلو مرتبته وفرط محبة الله تعالى إياه ، حيث أمر نبيه بالازدياد منه خاصة دون غيره . وقال قتادة: لو اكتفى أحد من العلم لاكتفى نبي الله موسى عليه السلام ولم يقل { هَلْ أَتَّبِعُكَ على أَن تُعَلّمَنِ مِمَّا عُلّمْتَ رُشْدًا } [ الكهف: 66 ] . الخامس: كان لسليمان عليه السلام من ملك الدنيا ما كان حتى أنه: { قال رَبّ اغفر لي وهب لي مُلْكًا لاَّ يَنبَغِى لاِحَدٍ مّن بَعْدِى } [ ص: 35 ] ثم إنه لم يفتخر بالمملكة وافتخر بالعلم حيث قال: { ياأيها الناس عُلّمْنَا مَنطِقَ الطير وَأُوتِينَا مِن كُلّ شَىْء } [ النمل: 16 ] فافتخر بكونه عالمًا بمنطق الطير فإذا حسن من سليمان أن يفتخر بذلك العلم فلأن يحسن بالمؤمن أن يفتخر بمعرفة رب العالمين كان أحسن ولأنه قدم ذلك على قوله: { وَأُوتِينَا مِن كُلّ شَىْء } وأيضًا فإنه تعالى لما ذكر كمال حالهم قدم العلم أولًا وقال:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت