فهرس الكتاب

الصفحة 4671 من 8321

وهذا الخبر يدل على أنه لم يبق في سمعهم نصيب لغير الله ولا في بصرهم ولا في سائر أعضائهم إذ لو بقي هناك نصيب لغير الله لما قال أنا سمعه وبصره . إذا ثبت هذا فنقول: لا شك أن هذا المقام أشرف من تسخير الحية والسبع وإعطاء الرغيف وعنقود من العنب أو شربة من الماء فلما أوصل الله برحمته عبده إلى هذه الدرجات العالية فأي بعد في أن يعطيه رغيفًا واحدًا أو شربة ماء في مفازة .

الحجة الرابعة: قال عليه السلام حاكيًا عن رب العزة: « من آذى لي وليًا فقد بارزني بالمحاربة » فجعل إيذاء الولي قائمًا مقام إيذائه وهذا قريب من قوله تعالى: { إِنَّ الذين يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ الله } [ الفتح: 10 ] وقال: { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى الله وَرَسُولُهُ أَمْرًا } [ الأحزاب: 36 ] وقال: { إِنَّ الذين يُؤْذُونَ الله وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ الله فِى الدنيا والأخرة } [ الأحزاب: 57 ] فجعل بيعة محمد A بيعة مع الله ورضاء محمد A رضاء الله وإيذاء محمد A إيذاء الله فلا جرم كانت درجة محمد A أعلى الدرجات إلى أبلغ الغايات فكذا ههنا لما قال: « من آذى لي وليًا فقد بارزني بالمحاربة » دل ذلك على أنه تعالى جعل إيذاء الولي قائمًا مقام إيذاء نفسه ويتأكد هذا بالخبر المشهور أنه تعالى يقول: « يوم القيامة مرضت فلم تعدني ، استسقيتك فما سقيتني ، استطعمتك فما أطعمتني فيقول يا رب كيف أفعل هذا وأنت رب العالمينا فيقول إن عبدي فلانًا مرض فلم تعده أما علمت أنك لو عدته لوجدت ذلك عندي » وكذا في السقي والإطعام فدلت هذه الأخبار على أن أولياء الله يبلغون إلى هذه الدرجات فأي بعد في أن يعطيه الله كسرة خبز أو شربة ماء أو يسخر له كلبًا أو وردًا .

الحجة الخامسة: أنا نشاهد في العرف أن من خصه الملك بالخدمة الخاصة وأذن له في الدخول عليه في مجلس الأنس فقد يخصه أيضًا بأن يقدره على ما لا يقدر عليه غيره ، بل العقل السليم يشهد بأنه متى حصل ذلك القرب فإنه يتبعه هذه المناصب فجعل القرب أصلًا والمنصب تبعًا وأعظم الملوك هو رب العالمين فإذا شرف عبدًا بأنه أوصله إلى عتبات خدمته ودرجات كرامته وأوقفه على أسرار معرفته ورفع حجب البعد بينه وبين نفسه وأجلسه على بساط قربه فأي بعد في أن يظهر بعض تلك الكرامات في هذا العالم مع أن كل هذا العالم بالنسبة إلى ذرة من تلك السعادات الروحانية والمعارف الربانية كالعدم المحض .

الحجة السادسة: لا شك أن المتولي للأفعال هو الروح لا البدن ولا شك أن معرفة الله تعالى للروح كالروح للبدن على ما قررناه في تفسير قوله تعالى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت