فهرس الكتاب

الصفحة 4691 من 8321

المسألة الرابعة: احتج القائلون بأن المعدوم شيء بقوله: { وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَىْء إِنّى فَاعِلٌ ذلك غَدًا * أَن يَشَاء الله } قالوا: الشيء الذي سيفعله الفاعل غدًا سماه الله تعالى في الحال بأنه شيء لقوله: { وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَىْء } ومعلوم أن الشيء الذي سيفعله الفاعل غدًا فهو معدوم في الحال ، فوجب تسمية المعدوم بأنه شيء . والجواب أن هذا الاستدلال لا يفيد إلا أن المعدوم مسمى بكونه شيئًا وعندنا أن السبب فيه أن الذي سيصير شيئًا يجوز تسميته بكونه شيئًا في الحال كما أنه قال: { أتى أَمْرُ الله } [ النحل: 1 ] والمراد سيأتي أمر الله ، أما قوله: { واذكر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ } ففيه وجهان: الأول: أنه كلام متعلق بما قبله والتقدير أنه إذا نسي أن يقول إن شاء الله فليذكره إذا تذكره وعند هذا اختلفوا فقال ابن عباس Bهما لو لم يحصل التذكر إلا بعد مدة طويلة ثم ذكر إن شاء الله كفى في دفع الحنث وعن سعيد بن جبير بعد سنة أو شهر أو أسبوع أو يوم ، وعن طاوس أنه يقدر على الاستثناء في مجلسه ، وعن عطاء يستثني على مقدار حلب الناقة الغزيرة ، وعند عامة الفقهاء أنه لا أثر له في الأحكام ما لم يكن موصولًا ، واحتج ابن عباس بقوله: { واذكر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ } لأن الظاهر أن المراد من قوله: { واذكر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ } هو الذي تقدم ذكره في قوله: { إِلاَّ أَن يَشَاء الله } وقوله: { واذكر رَّبَّكَ } غير مختص بوقت معين بل هو يتناول كل الأوقات فوجب أن يجب عليه هذا الذكر في أي وقت حصل هذا التذكر وكل من قال وجب هذا الذكر قال: إنه إنما وجب لدفع الحنث وذلك يفيد المطلوب ، واعلم أن استدلال ابن عباس Bهما ظاهر في أن الاستثناء لا يجب أن يكون متصلًا ، أما الفقهاء فقالوا إنا لو جوزنا ذلك لزم أن لا يستقر شيء من العقود ، والإيمان ، يحكى أنه بلغ المنصور أن أبا حنيفة C خالف ابن عباس في الاستثناء المنفصل فاستحضره لينكر عليه فقال أبو حنيفة C: هذا يرجع عليك ، فإنك تأخذ البيعة بالإيمان أتفرض أن يخرجوا من عندك فيستثنوا فيخرجوا عليك؟ فاستحسن المنصور كلامه ورضي به . واعلم أن حاصل هذا الكلام يرجع إلى تخصيص النص بالقياس وفيه ما فيه . وأيضًا فلو قال إن شاء الله على سبيل الخفية بلسانه بحيث لا يسمعه أحد فهو معتبر ودافع للحنث بالإجماع مع أن المحذور الذي ذكرتم حاصل فيه . فثبت أن الذي عولوا عليه ليس بقوي ، والأولى أن يحتجوا في وجوب كون الاستثناء متصلًا بأن الآيات الكثيرة دلت على وجوب الوفاء بالعقد والعهد .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت