فهرس الكتاب

الصفحة 4739 من 8321

« إن تغيير هذه النقطة يوجب دخول الكذب في كلام الله ، وذلك يوجب القدح في الإلهية . » فعلمنا أن تغيير النقطة الواحدة من القرآن يوجب بطلان الربوبية والعبودية ، ثم قال تعالى: { فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ } أي فرأيا في القرية حائطًا مائلًا ، فإن قيل كيف يجوز وصف الجدار بالإرادة مع أن الإرادة من صفات الأحياء قلنا هذا اللفظ ورد على سبيل الاستعارة ، وله نظائر في الشعر قال:

يريد الرمح صدر أبي براء ... ويرغب عن دماء بني عقيل

وأنشد الفراء:

إن دهرًا يلف شملي بجمعل ... لزمان يهم بالإحسان

وقال الراعي

في مهمة فلقت به هاماتها ... فلق الفؤوس إذا أردن نصولا

ونظيره من القرآن قوله تعالى: { وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى الغضب } وقوله: { أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ } وقوله: { قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ } وقوله: { أَن يَنقَضَّ } يقال انقض إذا أسرع سقوطه من انقضاض الطائر وهو انفعل مطاوع قضضته . وقيل: انقض فعل من النقض كأحمر من الحمرة ، وقرىء أن ينقض من النقض ، وأن ينقاض من انقاضت العين إذا انشقت طولًا ، وأما قوله: { فَأَقَامَهُ } قيل نقضه ثم بناه ، وقيل: أقامه بيده ، وقيل: مسحه بيده فقام واستوى وكان ذلك من معجزاته ، واعلم أن ذلك العالم لما فعل ذلك . وكانت الحالة حالة اضطرار وافتقار إلى الطعام فلأجل تلك الضرورة نسي موسى ما قاله من قوله: { إِن سَأَلْتُكَ عَن شَىْء بَعْدَهَا فَلاَ تُصَاحِبْنِى } فلا جرم قال: { لَوْ شِئْتَ لاَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا } أي طلبت على عملك أجرة تصرفها في تحصيل المطعوم وتحصيل سائر المهمات ، وقرىء: { لتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا } والتاء تخذت أصل كما في تبع ، واتخذ افتعل منه كقولنا اتبع من قولنا تبع ، واعلم أن موسى عليه السلام لما ذكر هذا الكلام قال العالم: { هذا فِرَاقُ بَيْنِى وَبَيْنِكَ } وههنا سؤالات . السؤال الأول: قوله: هذه إشارة إلى ماذا؟ والجواب من وجهين: الأول: أن موسى عليه السلام قد شرط أنه إن سأله بعد ذلك سؤالًا آخر يحصل الفراق حيث قال: { إِن سَأَلْتُكَ عَن شَىْء بَعْدَهَا فَلاَ تُصَاحِبْنِى } فلما ذكر هذا السؤال فارقه ذلك العالم وقال: { هذا فِرَاقُ بَيْنِى وَبَيْنِكَ } أي هذا الفراق الموعود . الثاني: أن يكون قوله هذا إشارة إلى السؤال الثالث أي هذا الاعتراض هو سبب الفراق . السؤال الثاني: ما معنى قوله: { هذا فِرَاقُ بَيْنِى وَبَيْنِكَ } ؟ الجواب: معناه هذا فراق حصل بيني وبينك ، فأضيف المصدر إلى الظرف ، حكى القفال عن بعض أهل العربية أن البين هو الوصل لقوله تعالى: { لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ } فكان المعنى هذا فراق بيننا ، أي اتصالنا ، كقول القائل: أخزى الله الكاذب مني ومنك ، أي أحدنا هكذا قاله الزجاج ، ثم قال العالم لموسى عليه السلام: { سَأُنَبّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا } أي سأخبرك بحكمة هذه المسائل الثلاثة ، وأصل التأويل راجع إلى قولهم آل الأمر إلى كذا أي صار إليه ، فإذا قيل: ما تأويله فالمعنى ما مصيره .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت