البحث الرابع: في إعرابه قالوا كلمة لا ههنا دخلت على الماهية ، فانتفت الماهية ، وإذا انتفت الماهية انتفت كل أفراد الماهية . وأما الله فإنه اسم علم للذات المعينة إذ لو كان اسم معنى لكان كلها محتملًا للكثرة فلم تكن هذه الكلمة مفيدة للتوحيد ، فقالوا: لا استحقت عمل أن لمشابهتها لها من وجهين ، أحدهما: ملازمة الأسماء ، والآخر تناقضهما فإن أحدهما لتأكيد الثبوت والآخر لتأكيد النفي ، ومن عادتهم تشبيه أحد الضدين بالآخر في الحكم ، إذا ثبت هذا فنقول لما قالوا: إن زيدًا ذاهب كان يجب أن يقولوا لا رجلًا ذاهب إلا أنهم بنوا لا مع ما دخل عليه من الاسم المفرد على الفتح ، أما البناء فلشدة اتصال حرف النفي بما دخل عليه كأنهما صارا اسمًا واحدًا ، وأما الفتح فلأنهم قصدوا البناء على الحركة المستحقة توفيقًا بين الدليل الموجب للإعراب والدليل الموجب للبناء . الثاني: خبره محذوف والأصل لا إله في الوجود ولا حول ولا قوة لنا وهذا يدل على أن الوجود زائد على الماهية .
البحث الخامس: قال بعضهم تصور الثبوت مقدم على تصور السلب ، فإن السلب ما لم يضف إلى الثبوت لا يمكن تصوره فكيف قدم ههنا السلب على الثبوت . وجوابه: أنه لما كان هذا السلب من مؤكدات الثبوت لا جرم قدم عليه . القسم الثاني: من الكلام في الآية البحث عن أسماء الله تعالى وفيه أبحاث:
البحث الأول: قال عليه السلام: « إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ أيها الناس أنا جعلت لكم نسبًا وأنتم جعلتم لأنفسكم نسبًا ، أنا جعلت أكرمكم عندي أتقاكم وأنتم جعلتم أكرمكم أغناكم فالآن أرفع نسبي وأضع نسبكم ، أين المتقون الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون! » ، واعلم أن الأشياء في قسمة العقول على ثلاثة أقاسم: كامل لا يحتمل النقصان ، وناقص لا يحتمل الكمال ، وثالث يقبل الأمرين ، أما الكامل الذي لا يحتمل النقصان فهو الله تعالى وذلك في حقه بالوجوب الذاتي وبعده الملائكة فإن من كمالهم أنهم: { لاَّ يَعْصُونَ الله مَا أَمَرَهُمْ } [ التحريم: 6 ] ومن صفاتهم أنهم: { عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ } [ الأنبياء: 26 ] ومن صفاتهم أنهم يستغفرون للذين آمنوا ، وأما الناقص الذي لا يحتمل الكمال فهو الجمادات والنبات والبهائم ، وأما الذي يقبل الأمرين جميعًا فهو الإنسان تارة يكون في الترقي بحيث يخبر عنه بأنه { فِى مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرِ } [ القمر: 55 ] وتارة في التسفل بحيث يقال: { ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سافلين } [ التين: 5 ] وإذا كان كذلك استحال أن يكون الإنسان كاملًا لذاته ، وما لا يكون كاملًا لذاته استحال أن يصير موصوفًا بالكمال إلى أن يصير منتسبًا إلى الكامل لذاته .