فهرس الكتاب

الصفحة 4878 من 8321

{ وَأَنَّ الله لَيْسَ بظلام لّلْعَبِيدِ } [ آل عمران: 182 ] وإذا أتته وليست في يده وإنما استطاع أن يلقي من يده ما ليس في يده فذلك محال ، أما قوله: { فألقاها فَإِذَا هِىَ حَيَّةٌ تسعى } ففيه أسئلة: السؤال الأول: ما الحكمة في قلب العصا حية في ذلك الوقت؟ الجواب فيه وجوه: أحدها: أنه تعالى قلبها حية لتكون معجزة لموسى عليه السلام يعرف بها نبوة نفسه وذلك لأنه عليه السلام إلى هذا الوقت ما سمع إلا النداء ، والنداء وإن كان مخالفًا للعادات إلا أنه لم يكن معجزًا لاحتمال أن يكون ذلك من عادات الملائكة أو الجن فلا جرم قلب الله العصا حية ليصير ذلك دليلًا قاهرًا والعجب أن موسى عليه السلام قال: أتوكأ عليها فصدقه الله تعالى فيه وجعلها متكأ له بأن جعلها معجزة له . وثانيها: أن النداء كان إكرامًا له فقلب العصا حية مزيدًا في الكرامة ليكون توالي الخلع والكرامات سببًا لزوال الوحشة عن قلبه . وثالثها: أنه عرض عليه ليشاهده أولًا فإذا شاهده عند فرعون لا يخافه . ورابعها: أنه كان راعيًا فقيرًا ثم إنه نصب للمنصب العظيم فلعله بقي في قلبه تعجب من ذلك فقلب العصا حية تنبيهًا على أني لما قدرت على ذلك فكيف يستبعد مني نصرة مثلك في إظهار الدين . وخامسها: أنه لما قال: { قَالَ هِىَ عَصَاىَ أَتَوَكَّؤُا } إلى قوله: { وَلِىَ فِيهَا مَآَرِبُ أخرى } فقيل له: { أَلْقَِهَا } فلما ألقاها وصارت حية فر موسى عليه السلام منها فكأنه قيل له: ادعيت أنها عصاك وأن لك فيها مآرب أخرى فلم تفر منها ، تنبيهًا على سر قوله: { فَفِرُّواْ إِلَى الله } [ الذاريات: 50 ] وقوله: { قُلِ الله ثُمَّ ذَرْهُمْ } [ الأنعام: 91 ] . السؤال الثاني: قال ههنا حية وفي موضع آخر ثعبان وجان ، أما الحية فاسم جنس يقع على الذكر والأنثى والصغير والكبير ، وأما الثعبان والجان فبينهما تناف لأن الثعبان العظيم من الحيات والجان الدقيق وفيه وجهان: أحدهما: أنها كانت وقت انقلابها حية صغيرة دقيقة ثم تورمت وتزايد جرمها حتى صارت ثعبانًا فأريد بالجان أول حالها وبالثعبان مآلها . والثاني: أنها كانت في شخص الثعبان وسرعة حركة الجان ، والدليل عليه قوله تعالى: { فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ } . السؤال الثالث: كيف كانت صفة الحية . الجواب كان لها عرف كعرف الفرس وكان بين لحييها أربعون ذراعًا ، وابتلعت كل ما مرت به من الصخور والأشجار حتى سمع موسى صرير الحجر في فمها وجوفها ، أما قوله تعالى: { قَالَ خُذْهَا وَلاَ تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيَرتَهَا الأولى } ففيه سؤالات: السؤال الأول: لما نودي موسى وخص بتلك الكرامات العظيمة وعلم أنه معبوث من عند الله تعالى إلى الخلق فلم خاف .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت