[ النمل: 24 ] فكذا ههنا بدأ موسى بقوله: { أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا } وختم بقوله: { أَوْ أَن يطغى } لما أن طغيانه في حق الله تعالى أعظم من إفراطه في حق موسى وهارون عليهما السلام . أما قوله: { قَالَ لاَ تَخَافَا إِنَّنِى مَعَكُمَا أَسْمَعُ وأرى } فالمراد لا تخافا مما عرض في قلبكما من الإفراط والطغيان لأن ذلك هو المفهوم من الكلام يبين ذلك أنه تعالى لم يؤمنهما من الرد ولا من التكذيب بالآيات ومعارضة السحرة أما قوله: { إِنَّنِى مَعَكُمَا } فهو عبارة عن الحراسة والحفظ وعلى هذا الوجه يقال: الله معك على وجه الدعاء وأكد ذلك بقوله: { أَسْمَعُ وأرى } فإن من يكون مع الغير وناصرًا له وحافظًا يجوز أن لا يعلم كل ما يناله وإنما يحرسه فيما يعلم فبين سبحانه وتعالى أنه معهما بالحفظ والعلم في جميع ما ينالهما وذلك هو النهاية في إزالة الخوف قال القفال قوله: { أَسْمَعُ وأرى } يحتمل أن يكون مقابلًا لقوله: { أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَن يطغى } والمعنى: { يَفْرُطَ عَلَيْنَا } بأن لا يسمع منا: { أَوْ أَن يطغى } بأن يقتلنا فقال الله تعالى: { إِنَّنِى مَعَكُمَا } أسمع كلامه معكما فأسخره للاستماع منكما وأرى أفعاله فلا أتركه حتى يفعل بكما ما تكرهانه ، واعلم أن هذه الآية تدل على أن كونه تعالى سميعًا وبصيرًا صفتان زائدتان على العلم لأن قوله: { إِنَّنِى مَعَكُمَا } دل على العلم فقوله: { أَسْمَعُ وأرى } لو دل على العلم لكان ذلك تكريرًا وهو خلاف الأصل ثم إنه سبحانه أعاد ذلك التكليف فقال: { فَأْتِيَاهُ } لأنه سبحانه وتعالى قال في المرة الأولى: { لِنُرِيَكَ مِنْ ءاياتنا الكبرى * اذهب إلى فِرْعَوْنَ } [ طه: 23 ، 24 ] وفي الثانية: { اذهب أَنتَ وَأَخُوكَ } [ طه: 42 ] وفي الثالثة: قال: { اذهبا إلى فِرْعَوْنَ } [ طه: 43 ] وفي الرابعة قال ههنا فأتياه فإن قيل إنه تعالى أمرهما في المرة الثانية بأن يقولا له: { قَوْلًا لَّيّنًا } [ طه: 44 ] وفي هذه المرة الرابعة أمرهما أن يقولاَ: { إِنَّا رَسُولاَ رَبّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِى إسراءيل } وفيه تغليظ من وجوه: أحدها: أن قوله: { إِنَّا رَسُولاَ رَبّكَ } فيه أبحاث:
البحث الأول: انقياده إليهما والتزامه لطاعتهما وذلك يعظم على الملك المتبوع .
البحث الثاني: قوله: { فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِى إسراءيل } فيه إدخال النقص على ملكه لأنه كان محتاجًا إليهم فيما يريده من الأعمال من بناء أو غيره .
البحث الثالث: قوله: { وَلاَ تُعَذّبْهُمْ } .
البحث الرابع: قوله: { قَدْ جئناك بآيةٍ مّن رَّبّكَ } فما الفائدة في التليين أولًا والتغليظ ثانيًا؟ قلنا: لأن الإنسان إذا ظهر لجاجه فلا بد له من التغليظ فإن قيل: أليس كان من الواجب أن يقولا إنا رسولا ربك قد جئناك بآية فأرسل معنا بني إسرائيل ولا تعذبهم ، لأن ذكر المعجز مقرونًا بادعاء الرسالة أولى من تأخيره عنه؟ قلنا: بل هذا أولى من تأخيره عنه لأنهم ذكروا مجموع الدعاوى ثم استدلوا على ذلك المجموع بالمعجزة ، أما قوله: { قَدْ جئناك بآيةٍ مّن رَّبّكَ } ففيه سؤال وهو أنه تعالى أعطاه آيتين وهما العصا واليد ثم قال: