أي فقلت نعم فالهاء في إنه هاء السكت كما في قوله تعالى: { هَلَكَ عَنّي سلطانيه } [ الحاقة: 29 ] وقال أبو ذؤيب:
شاب المفارق إن إن من البلى ... شيب القذال مع العذار الواصل
أي نعم إن من البلى فصار إن كأنه قال نعم هذان لساحران ، واعترضوا عليه فقالوا: اللام لا تدخل في الخبر على الاستحسان إلا إذا كانت إن داخلة في المبتدأ ، فأما إذا لم تدخل أن على المبتدأ فمحل اللام المبتدأ إذ يقال لزيد اعلم من عمرو ولا يقال زيد لأعلم من عمرو ، وأجابوا عن هذا الاعتراض من وجهين ، الأول: لا نسلم أن اللام لا يحسن دخولها على الخبر والدليل عليه قوله:
أم الحليس لعجوز شهر به ... ترضى من اللحم بعظم الرقبه
وقال آخر:
خالي لأنت ومن جرير خاله ... ينل العلاء ويكرم الأخوالا
وأنشد قطرب:
ألم تكن حلفت بالله العلي ... أن مطاياك لمن خير المطي
وإن رويت إن بالكسر لم يبق الاستدلال إلا أن قطربًا قال: سمعناه مفتوح الهمزة وأيضًا فقد أدخلت اللام في خبر أمسى ، قال ابن جني أنشدنا أبو علي:
مروا عجالى فقالوا كيف صاحبكم ... فقال من سئلوا أمسى لمجهودا
وقال قطرب وسمعنا بعض العرب يقول: أراك المسالمي وإني رأيته لشيخًا وزيد والله لواثق بك وقال كثير:
وما زلت من ليلى لدن أن عرفتها ... لكالهائم المقصى بكل بلاد
وقال آخر:
ولكنني من حبها لعميد ... وقال المعترض هذه الأشعار من الشواذ وإنما جاءت كذا لضرورة الشعر وجل كلام الله تعالى عن الضرورة وإنما تقرر هذا الكلام إذا بينا أن المبتدأ إذا لم يدخل عليه إن وجب إدخال اللام عليه لا على الخبر وتحقيقه أن اللام تفيد تأكيد موصوفية المبتدأ بالخبر واللام تدل على حالة من حالات المبتدأ وصفة من صفاته فوجب دخولها على المبتدأ لأن العلة الموجبة لحكم في محل لا بد وأن تكون مختصة بذلك المحل لا يقال هذا مشكل بما إذا دخلت إن على المبتدأ فإن ههنا يجب إدخال اللام على الخبر مع أن ما ذكرتموه حاصل فيه لأنا نقول ذلك لأجل الضرورة وذلك لأن كلمة إن للتأكيد واللام للتأكيد فلو قلنا: إن لزيدًا قائم لكنا قد أدخلنا حرف التأكيد على حرف التأكيد وذلك ممتنع فلما تعذر إدخالها على المبتدأ لا جرم أدخلناها على الخبر لهذه الضرورة ، وأما إذا لم يدخل حرف إن على المبتدأ كانت هذه الضرورة زائلة فوجب إدخال اللام على المبتدأ لا يقال إذا جاز إدخال حرف النفي على حرف النفي في قوله:
ما إن رأيت ولا سمعت به ... كاليوم طالبني أنيق أجرب
والغرض به تأكيد النفي فلم لا يجوز إدخال حرف التأكيد على حرف التأكيد والغرض به تأكيد الإثبات لأنا نقول الفرق بين البابين أن قولك زيد قائم يدل على الحكم بموصوفية زيد بالقيام فإذا قلت إن زيدًا قائم فكلمة إن تفيد تأكيد ذلك الحكم فلو ذكرت مؤكدًا آخر مع كلمة إن صار عبثًا ، أما لو قلت: رأيت فلانًا فهذا للثبوت فإذا أدخلت عليه حرف النفي أفاد حرف النفي معنى النفي ولا يفيد التأكيد لأنه مستقل بإفادة الأصل فكيف يفيد الزيادة فإذا ضممت إليه حرف نفي آخر صار الحرف الثاني مؤكدًا للأول فلا يكون عبثًا فهذا هو الفرق بين البابين فهذا منتهى تقرير هذا الاعتراض وهو عندي ضعيف ، لأن الكل اتفقوا على أنه إذا اجتمع النقل والقياس فالنقل أولى ، ولأن هذه العلل في نهاية الضعف فكيف يدفع بها النقل الظاهر . الوجه الثاني: في الجواب عن قولهم اللام لا يحسن دخولها على الخبر إلا إذا دخلت كلمة إن على المبتدأ كما ذكره الزجاج فقال: إن وقعت موقع نعم واللام في موقعها والتقدير نعم هذان لهما ساحران فكانت اللام داخلة على المبتدأ لا على الخبر . قال: وعرضت هذا القول على محمد بن يزيد وعلى إسماعيل بن إسحق فارتضياه وذكرا أنه أجود ما سمعناه في هذا . قال ابن جنى: هذا القول غير صحيح لوجوه: الوجه الأول: أن الأصل أن المبتدأ إنما يجوز حذفه لو كان أمرًا معلومًا جليًا ولولا ذلك لكان في حذفه مع الجهل به ضرب من تكليف علم الغيب للمخاطب وإذا كان معروفًا فقد استغنى بمعرفته عن تأكيده باللام لأن التأكيد إنما يحتاج إليه حيث لم يكن العلم به حاصلًا . الوجه الثاني: أن الحذف من باب الاختصار والتأكيد من باب الإطناب فالجمع بينهما غير جائز ولأن ذكر المؤكد وحذف التأكيد أحسن في العقول من العكس . الوجه الثالث: امتناع أصحابنا البصريين من تأكيد الضمير المحذوف العائد على المبتدأ في نحو قولك زيد ضربت فلا يجيزون زيد ضربت نفسه على أن يجعل النفس توكيدًا للهاء المؤكدة المقدرة في ضربت أي ضربته لأن الحذف لا يكون إلا بعد التحقيق والعلم به ، وإذا كان كذلك فقد استغنى عن تأكيده فكذا ههنا . الوجه الرابع: أن جميع النحويين حملوا قول الشاعر: أم الحليس لعجوز شهر به . على أن الشاعر أدخل اللام على الخبر ضرورة ولو كان ما ذهب إليه الزجاج جائزًا لما عدل عنه النحويون ولما حملوا الكلام عليه على الإضطرار إذا وجدوا له وجهًا ظاهرًا ، ويمكن الجواب عن اعتراض ابن جنى بأنه إنما حسن حذف المبتدأ لأن في اللفظ ما يدل عليه وهو قوله: هذان أما لو حذف التأكيد فليس في اللفظ ما يدل عليه فلا جرم كان حذف المبتدأ أولى من حذف التأكيد ، وأما امتناعهم من تأكيد الضمير في قولهم: زيد ضربت نفسه فذاك إنما كان لأن إسناد الفعل إلى المظهر أولى من إسناده إلى المضمر فإذا قال زيد: ضربت نفسه كان قوله نفسه مفعولًا فلا يمكن جعله تأكيدًا للضمير فتأكيد المحذوف إنما امتنع ههنا لهذه العلة لا لأن تأكيد المحذوف مطلقًا ممتنع وأما قوله: النحويون حملوا قول الشاعر: أم الحليس لعجوز شهر به . على أن الشاعر أدخل اللام على الخبر ضرورة فلو جاز ما قاله الزجاج لما عدل عنه النحويون ، فهذا اعتراض في نهاية السقوط لأن ذهول المتقدمين عن هذا الوجه لا يقتضي كونه باطلًا فما أكثر ما ذهل المتقدم عنه وأدركه المتأخر فهذا تمام الكلام في شرح هذا . الوجه الثالث: في الجواب أن كلمة إن ضعيفة في العمل لأنها تعمل بسبب مشابهة الفعل فوجب كونها ضعيفة في العمل وإذا ضعفت جاز بقاء المبتدأ على إعرابه الأصلي وهو الرفع .