{ ويوم يحشرهم جميعًا ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن } [ سبأ: 40 ، 41 ] وهذه الآية صريحة في الفرق بين الجن والملك . فإن قيل لا نسلم أنه كان من الجن أما قوله تعالى: { كان من الجن } فلم لا يجوز أن يكون المراد كان من الجنة على ما روى عن ابن مسعود أنه قال كان من الجن أي كان خازن الجنة سلمنا ذلك لكن لا يجوز أن يكون قوله: { من الجن } أي صار من الجن كما أن قوله وكان من الكافرين أي صار من الكافرين سلمنا أن ما ذكرت يدل على أنه من الجن فلم قلت أن كونه من الجن ينافي كونه من الملائكة وما ذكرتم من الآية معارض بآية أخرى وهي قوله تعالى: { وجعلوا بينه وبين الجنة نسبًا } [ الصافات: 158 ] وذلك لأن قريشًا قالت: الملائكة بنات الله فهذه الآية تدل على أن الملك يسمى جنًا؟ والجواب: لا يجوز أن يكون المراد من قوله: { كان من الجن } أنه كان خازن الجنة لأن قوله: { لا إبليس كان من الجن } يشعر بتعليل تركه للسجود لكونه جنيًا ولا يمكن تعليل ترك السجود بكونه خازنًا للجنة فيبطل ذلك قوله { كان من الجن } أي صار من الجن . قلنا هذا خلاف الظاهر فلا يصار إليه إلا عند الضرورة وأما قوله تعالى: { وجعلوا بينه وبين الجنة نسبًا } قلنا يحتمل أن بعض الكفار أثبت ذلك النسب في الجن كما أثبته في الملائكة وأيضًا فقد بينا أن الملك يسمى جنًا بحسب أصل اللغة لكن لفظ الجن بحسب العرف اختص بغيرهم كما أن لفظ الدابة وإن كان بحسب اللغة الأصلية يتناول كل ما يدب لكنه بحسب العرف اختص ببعض ما يدب فتحمل هذه الآية على اللغة الأصلية ، والآية التي ذكرناها على العرف الحادث . وثانيها: أن إبليس له ذرية والملائكة لا ذرية لهم ، إنما قلنا إن إبليس له ذرية لقوله تعالى في صفته: { أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني } [ الكهف: 50 ] وهذا صريح في إثبات الذرية له ، وإنما قلنا إن الملائكة لا ذرية لهم لأن الذرية إنما تحصل من الذكر والأنثى والملائكة لا أنثى فيهم لقوله تعالى: { وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثًا أشهدوا خلقهم ستكتب شهادتهم } [ الزخرف: 19 ] أنكر على من حكم عليهم بالأنوثة فإذا انتفت الأنوثة انتفى التوالد لا محالة فانتفت الذرية ، وثالثها: أن الملائكة معصومون على ما تقدم بيانه وإبليس لم يكن كذلك فوجب أن لا يكون من الملائكة ورابعها: أن إبليس مخلوق من النار والملائكة ليسوا كذلك إنما قلنا إن إبليس مخلوق من النار لقوله تعالى حكاية عن إبليس { خلقتني من نار } وأيضًا فلأنه كان من الجن لقوله تعالى: { كان من الجن } والجن مخلوقون من النار لقوله تعالى: