فهرس الكتاب

الصفحة 4967 من 8321

{ يَوْمَ يُنفَخُ فِى الصور فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا } [ النبأ: 18 ] ، أما قوله: { وَنَحْشُرُ المجرمين يَوْمِئِذٍ زُرْقًا } ففيه مسائل:

المسألة الأولى: قالت المعتزلة قوله: { المجرمين } يتناول الكفار والعصاة فيدل على عدم العفو عن العصاة ، وقال ابن عباس Bهما: يريد بالمجرمين الذين اتخذوا مع الله إلهًا آخر ، وقد تقدم هذا الكلام .

المسألة الثانية: اختلفوا في المراد بالزرقة على وجوه: أحدها: قال الضحاك ومقاتل: يعني زرق العيون سود الوجوه وهي زرقة تتشوه بها خلقتهم والعرب تتشاءم بذلك ، فإن قيل: أليس أن الله تعالى أخبر أنهم: يحشرون عميًا فكيف يكون أعمى وأزرق؟ قلنا: لعله يكون أعمى في حال وأزرق في حال . وثانيها: المراد من الزرقة العمى . قال الكلبي: زرقًا أي عميًا ، قال الزجاج: يخرجون بصراء في أول مرة ويعمون في المحشر . وسواد العين إذا ذهب تزرق فإن قيل: كيف يكون أعمى ، وقد قال تعالى: { إِنَّمَا يُؤَخّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبصار } [ إبراهيم: 41 ] وشخوص البصر من الأعمى محال ، وقد قال في حقهم: { اقرأ كتابك } [ الإسراء: 14 ] والأعمى كيف يقرأ . فالجواب: أن أحوالهم قد تختلف . وثالثها: قال أبو مسلم: المراد بهذه الزرقة شخوص أبصارهم والأزرق شاخص لأنه لضعف بصره يكون محدقًا نحو الشيء يريد أن يتبينه وهذه حال الخائف المتوقع لما يكره وهو كقوله: { إِنَّمَا يُؤَخّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبصار } [ إبراهيم: 41 ] . ورابعها: زرقًا عطاشًا هكذا رواه ثعلب عن ابن الأعرابي قال: لأنهم من شدة العطش يتغير سواد عيونهم حتى تزرق ويدل على هذا التفسير قوله تعالى: { وَنَسُوقُ المجرمين إلى جَهَنَّمَ وِرْدًا } [ مريم: 86 ] . وخامسها: حكى ثعلب عن ابن الأعرابي قال: طامعين فيما لا ينالونه . الصفة الثالثة: من صفات الكفار يوم القيامة قوله تعالى: { يتخافتون بَيْنَهُمْ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ عَشْرًا } وفيه مسائل:

المسألة الأولى: يتخافتون أي يتسارون . يقال: خفت يخفت وخافت مخافتة والتخافت السرار وهو نظير قوله تعالى: { فَلاَ تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْسًا } [ طه: 108 ] وإنما يتخافتون لأنه امتلأت صدورهم من الرعب والهول أو لأنهم صاروا بسبب الخوف في نهاية الضعف فلا يطيقون الجهر .

المسألة الثانية: اختلفوا في أن المراد بقوله: { إِن لَّبِثْتُمْ } اللبث في الدنيا أو في القبر ، فقال قوم أرادوا به اللبث في الدنيا ، وهذا قول الحسن وقتادة والضحاك ، واحتجوا عليه بقوله تعالى: { قال كَمْ لَبِثْتُمْ فِى الأرض عَدَدَ سِنِينَ * قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ العادين } [ المؤمنون: 112 ، 113 ] فإن قيل: إما أن يقال إنهم نسوا قدر لبثهم في الدنيا ، أو ما نسوا ذلك ، والأول غير جائز إذ لو جاز ذلك لجاز أن يبقى الإنسان خمسين سنة في بلد ثم ينساه . والثاني: غير جائز لأنه كذب وأهل الآخرة لا يكذبون لا سيما وهذا الكذب لا فائدة فيه قلنا فيه وجوه: أحدها: لعلهم إذا حشروا في أول الأمر وعاينوا تلك الأهوال فلشدة وقعها عليهم ذهلوا عن مقدار عمرهم في الدنيا وما ذكروا إلا القليل فقالوا: ليتنا ما عشنا إلا تلك الأيام القليلة في الدنيا حتى لا نقع في هذه الأهوال ، والإنسان عند الهول الشديد قد يذهل عن أظهر الأشياء وتمام تقريره مذكور في سورة الأنعام في قوله:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت