فهرس الكتاب

الصفحة 498 من 8321

الوجه الثاني: في الاستدلال بالآية ، أن الله تعالى احتج بعد استكبارهم على أن غيرهم وجب أن لا يستكبروا ولو كان البشر أفضل منهم لما تم هذا الاحتجاج ، فإن السلطان إذا أراد أن يقرر على رعيته وجوب طاعتهم له بقول: الملوك لا يستكبرون عن طاعتي ، فمن هؤلاء المساكين حتى يتمردوا عن طاعتي أو بالجملة فمعلوم أن هذا الاستدلال لا يتم إلا بالأقوى على الأضعف . ولقائل أن يقول: لا نزاع في أن الملائكة أشد قوة وقدرة من البشر ، ويكفي في صحة الاستدلال هذا القدر من التفاوت ، فإنه تعالى يقول: إن الملائكة مع شدة قوتهم واستيلائهم على أجرام السموات والأرض وأمنهم من الهرم والمرض وطول أعمارهم ، لا يتركون العبودية لحظة واحدة ، والبشر مع نهاية ضعفهم ووقوعهم في أسرع الأحوال في المرض والهرم وأنواع الآفات ، أولى أن لا يتمردوا فهذا القدر من التفاوت كافٍ في صحة هذا الاستدلال ، ولا نزاع في حصول التفاوت في هذه المعنى ، إنما النزاع في الأفضلية بمعنى كثرة الثواب ، فلم قلتم إن هذا الاستدلال لا يصح إلا إذا كان الملك أكثر ثوابًا من البشر ، ولا بدّ فيه من دليل؟ مع أن المتبادر إلى الفهم هو الذي ذكرناه . وثانيها: أنهم قالوا: عبادات الملائكة أشق من عبادات البشر ، فتكون أكثر ثوابًا من عبادات البشر ، وإنما قلنا إنها أشق لوجوه: أحدها: أن ميلهم إلى التمرد أشد فتكون طاعتهم أشق ، وإنما قلنا: إن ميلهم إلى التمرد أشد ، لأن العبد السليم من الآفات ، المستغنى عن طلب الحاجات ، يكون أميل إلى النعم والالتذاذ من المغمور في الحاجات ، فإنه يكون كالمضطرب في الرجوع إلى عبادة مولاه والالتجاء إليه ، ولهذا قال تعالى: { فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون } [ العنكبوت: 65 ] ومعلوم أن الملائكة سكان السموات وهي جنات وبساتين ومواضع التنزه والراحة وهم آمنون من المرض والفقر ثم إنهم مع استكمال أسباب التنعم لهم أبدًا مذ خلقوا مشتغلون بالعبادة خاشعون وجلون مشفقون كأنهم مسجونون لا يلتفتون إلى نعيم الجنان واللذات بل هم مقبلون على الطاعات الشاقة موصوفون بالخوف الشديد والفزع العظيم وكأنه لا يقدر أحد من بني آدم أن يبقى كذلك يومًا واحدًا فضلًا عن تلك الأعصار المتطاولة ويؤكده قصة آدم عليه السلام ، فإنه أطلق له في جميع مواضع الجنة بقوله: { وكلا منها رغدًا حيث شئتما } [ البقرة: 35 ] ثم منع من شجرة واحدة فلم يملك نفسه حتى وقع في الشر ، وذلك يدل على أن طاعتهم أشق من طاعات البشر ، وثانيها: أن انتقال المكلف من نوع عبادة إلى نوع آخر كالانتقال من بستان إلى بستان ، أما الإِقامة على نوع واحد فإنها تورث المشقة والملالة ولهذا السبب جعلت التصانيف مقسومة بالأبواب والفصول ، وجعل كتاب الله مقسومًا بالسور والأحزاب والأعشار والأخماس ، ثم إن الملائكة كل واحد منهم مواظب على عمل واحد لا يعدل عنه إلى غيره على ما قال سبحانه:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت