قلنا: لا نسلم بأنه لا بد من حصول هذه الفترة بين حال التكليف وحال المجازاة ، ولم لا يجوز أن يقال: لا حاجة إلى الفترة أصلًا ، وإن كان ولا بد فيكفي حصول الفترة بغشي أو نوم خفيف . ثم إن كان ولا بد من حصول الفترة بالموت فلم قلت: النبي لا بد وأن يعلم ذلك ، أليس قوم منكم يقولون إن موسى عليه السلام إنما سأل الرؤية لأنه ما كان يعرف امتناعها على الله تعالى فإذا جاز ذلك الجهل فلم لا يجوز هذا الجهل ، ثم ما الدليل على أن آدم كان نبيًا في ذلك الوقت فإن مذهبنا أن واقعة الزلة إنما حصلت قبل رسالته لا بعدها ، ثم إن الذي يدل على أن آدم عليه السلام قبل ذلك قوله تعالى عقيب ذكر الوسوسة فأكلا منها ، وهذا الترتيب مشعر بالعلية كقولهم: «زنى ماعز فرجم» «وسها رسول الله فسجد» فإن هذه الفاء تدل على أن الرجم كالمسبب للزنا والسجود كالمسبب للسهو فكذلك ههنا يجب أن يكون الأكل كالمعلل باستماع قوله: { هَلْ أَدُلُّكَ على شَجَرَةِ الخلد وَمُلْكٍ لاَّ يبلى } وإنما يحصل هذا التعليل لو قبل آدم ذلك منه ، فإنه لو رد قوله لما أقدم على الأكل بناء على قوله ، فثبت أن آدم عليه السلام قبل ذلك من إبليس ثم إنه سبحانه بين أنهما لما أكلا بدت لهما سوآتهما ، قال ابن عباس: عريا من النور الذي كان الله ألبسهما حتى بدت فروجهما وإنما جمع فقيل سوآتهما كما قال: { صَغَتْ قُلُوبُكُمَا } [ التحريم: 4 ] فإن قيل: هل كان ظهور سوآتهما كالجزاء على معصيتهما ، قلنا: لا شك أن ذلك كالمعلق على ذلك الأكل ، لكن يحتمل أن لا يكون عقابًا عليه ، بل إنما ترتب عليه لمصلحة أخرى أما قوله: { وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الجنة } ففيه أبحاث:
البحث الأول: قال صاحب «الكشاف» : طفق يفعل كذا مثل جعل يفعل وأخذ وأنشأ وحكمها حكم كاد في وقوع الخبر فعلًا مضارعًا وبينها وبينه مسافة قصيرة ، وهي للشروع في أول الأمر ، وكاد لمقاربته والدنو منه .
البحث الثاني: قرى يخصفان للتكثير والتكرير من خصف النعل ، وهو أن يخرز عليها الخصاف أي يلزقان الورقة على سوآتهما للستر وهو ورق التين ، أما قوله: { وعصى ءَادَمُ رَبَّهُ فغوى } فمن الناس من تمسك بهذا في صدور الكبيرة عنه من وجهين: الأول: أن العاصي اسم للذم فلا ينطلق إلا على صاحب الكبيرة لقوله تعالى: { وَمَن يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خالدا فِيهَا } [ النساء: 14 ] ولا معنى لصاحب الكبيرة إلا من فعل فعلًا يعاقب عليه .