فهرس الكتاب

الصفحة 4993 من 8321

المسألة الثالثة: المعتزلة احتجوا على حدوث القرآن بهذه الآية فقالوا: القرآن ذكر والذكر محدث فالقرآن محدث ، بيان أن القرآن ذكر قوله تعالى في صفة القرآن: { إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ للعالمين } [ ص: 87 ] وقوله: { وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ } [ الزخرف: 44 ] وقوله: { ص والقرءان ذِي الذكر } [ ص: 1 ] وقوله: { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر } [ الحجر: 9 ] وقوله: { إن هو إلا ذكر وقرآن مبين } [ يس: 69 ] وقوله: { وهذا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ أنزلناه } [ الأنبياء: 5 ] وبيان أن الذكر محدث قوله في هذا الموضع: { مَا يَأْتِيهِمْ مّن ذِكْرٍ مّن رَّبّهِمْ مُّحْدَثٍ } وقوله في سورة الشعراء: { مَا يَأْتِيهِمْ مّن ذِكْرٍ مّن الرحمن مُحْدَثٍ } [ الشعراء: 5 ] ثم قالوا: فصار مجموع هاتين المقدمتين المنصوصتين كالنص في أن القرآن محدث والجواب من وجهين: الأول: أن قوله: { إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ للعالمين } وقوله: { وهذا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ } إشارة إلى المركب من الحروف والأصوات فإذا ضممنا إليه قوله: { مَا يَأْتِيهِمْ مّن ذِكْرٍ مّن رَّبّهِمْ مُّحْدَثٍ } لزم حدوث المركب من الحروف والأصوات وذلك مما لا نزاع فيه بل حدوثه معلوم بالضرورة ، وإنما النزاع في قدم كلام الله تعالى بمعنى آخر . الثاني: أن قوله: { مَا يَأْتِيهِمْ مّن ذِكْرٍ مّن رَّبّهِمْ مُّحْدَثٍ } لا يدل على حدوث كل ما كان ذكرًا بل على ذكر ما محدث كما أن قول القائل لا يدخل هذه البلدة رجل فاضل إلا يبغضونه ، فإنه لا يدل على أن كل رجل يجب أن يكون فاضلًا بل على أن في الرجال من هو فاضل وإذا كان كذلك فالآية لا تدل إلا على أن بعض الذكر محدث فيصير نظم الكلام هكذا القرآن ذكر وبعض الذكر محدث وهذا لا ينتج شيئًا كما أن قول القائل: الإنسان حيوان وبعض الحيوان فرس لا ينتج شيئًا فظهر أن الذي ظنوه قاطعًا لا يفيد ظنًا ضعيفًا فضلًا عن القطع . أما قوله: { إِلاَّ استمعوه وَهُمْ يَلْعَبُونَ لاَهِيَةً قُلُوبُهُمْ } ففيه مسائل:

المسألة الأولى: أن ذلك ذم للكفار وزجر لغيرهم عن مثله لأن الإنتفاع بما يسمع لا يكون إلا بما يرجع إلى القلب من تدبر وتفكر ، وإذا كانوا عند استماعه لاعبين حصلوا على مجرد الاستماع الذي قد تشارك البهيمة فيه الإنسان ثم أكد تعالى ذمهم بقوله: { لاَهِيَةً قُلُوبُهُمْ } واللاهية من لهى عنه إذا ذهل وغفل ، وإنما ذكر اللعب مقدمًا على اللهو كما في قوله تعالى: { إِنَّمَا الحياة الدنيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ } [ محمد: 36 ] تنبيهًا على أن اشتغالهم باللعب الذي معناه السخرية والإستهزاء معلل باللهو الذي معناه الذهول والغفلة ، فإنهم أقدموا على اللعب للهوهم وذهولهم عن الحق ، والله أعلم بالصواب .

المسألة الثانية: قال صاحب الكشاف: { وَهُمْ يَلْعَبُونَ لاَهِيَةً قُلُوبُهُمْ } حالان مترادفان أو متداخلان ومن قرأ لاهية بالرفع فالحال واحدة لأن لاهية قلوبهم خبر بعد خبر لقوله: { وَهُمْ } .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت