فهرس الكتاب

الصفحة 5006 من 8321

أما البحث الثاني: وهو قوله تعالى: { وَهُمْ يُسْئَلُونَ } فهذا يدل على كون المكلفين مسؤولين عن أفعالهم وفيه مسألتان:

المسألة الأولى: أن الكلام في هذا السؤال إما في الإمكان العقلي أو في الوقوع السمعي ، أما الإمكان العقلي فالخلاف فيه مع منكري التكاليف ، واحتجوا على قولهم بوجوه . أحدها: قالوا: التكليف إما أن يتوجه على العبد حال استواء داعيته إلى الفعل والترك ، أو حال رجحان أحدهما على الآخر . والأول محال لأن حال الاستواء يمتنع الترجيح وحال امتناع الترجيح يكون التكليف بالترجيح تكليفًا بالمحال ، والثاني محال لأن حال الرجحان يكون الراجح واجب الوقوع والمرجوع ممتنع الوقوع . والتكليف بإيقاع ما يكون واجب الوقوع عبث ، وبإيقاع ما هو ممتنع الوقوع تكليف بما لا يطاق . وثانيها: قالوا كل ما علم الله وقوعه فهو واجب الوقوع فيكون التكليف به عبثًا ، وكل ما علم الله تعالى عدمه كان ممتنع الوقوع ، فيكون التكليف به تكليفًا بما لا يطاق . وثالثها: قالوا: سؤال العبد ما أن يكون لفائدة أو لا لفائدة فإن كان لفائدة فتلك الفائدة إن عادت إلى الله تعالى كان محتاجًا وهو محال ، وإن عادت إلى العبد فهو محال ، لأن سؤاله لما كان سببًا لتوجيه العقاب عليه ، لم يكن هذا نفعًا عائدًا إلى العبد بل ضررًا عائدًا إليه ، وإن لم يكن في السؤال فائدة كان عبثًا وهو غير جائز على الحكيم ، بل كان إضرارًا وهو غير جائز على الرحيم . والجواب عنها من وجهين: الأول: أن غرضكم من إيراد هذه الشبهة النافية للتكليف أن تلزمونا نفي التكليف فكأنكم تكلفونا بنفي التكليف وهو متناقض . والثاني: وهو أن مدار كلامكم في هذه الشبهات على حرف واحد وهو أن التكاليف كلها تكاليف بما لا يطاق فلا يجوز من الحكيم أن يوجبها على العباد فيرجع حاصل هذه الشبهات إلى أنه يقال له تعالى: لم كلفت عبادك ، إلا أن قد بينا أنه سبحانه: { لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ } فظهر بهذا أن قوله: { لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ } كالأصل والقاعدة لقوله: { وَهُمْ يُسْئَلُونَ } فتأمل في هذه الدقائق العجيبة لتقف على طرف من أسرار علم القرآن ، وأما الوقوع السمعي فلقائل أن يقول إن قوله: { وَهُمْ يُسْئَلُونَ } وإن كان متأكدًا بقوله: { فَوَرَبّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ } [ الحجر: 92 ] وبقوله: { وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مسؤولونَ } [ الصافات: 24 ] إلا أنه يناقضه قوله: { فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْئَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَانٌّ } [ الرحمن: 39 ] والجواب: أن يوم القيامة يوم طويل وفيه مقامات فيصرف كل واحد من السلب والإيجاب إلى مقام آخر دفعًا للتناقض .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت