أما قوله تعالى: { إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ } فقال صاحب «الكشاف» : إذ إما أن تتعلق بآتينا أو برشده أو بمحذوف أي اذكر من أوقات رشده هذا الوقت .
أما قوله: { مَا هذه التماثيل التي أَنتُمْ لَهَا عاكفون } ففيه مسائل:
المسألة الأولى: التمثال اسم للشيء المصنوع مشبهًا بخلق من خلق الله تعالى ، وأصله من مثلت الشيء بالشيء إذا شبهته به واسم ذلك الممثل تمثال .
المسألة الثانية: أن القوم كانوا عباد أصنام على صور مخصوصة كصورة الإنسان أو غيره ، فجعل عليه السلام هذا القول منه ابتداء كلامه لينظر فيما عساهم يوردونه من شبهة فيبطلها عليهم .
المسألة الثالثة: قال صاحب «الكشاف» : لم ينو للعاكفين مفعولًا وأجراه مجرى ما لا يتعدى كقولك فاعلون للعكوف أو واقفون لها ، قال: فإن قلت هلا قيل عليها عاكفون كقوله: { يَعْكُفُونَ على أَصْنَامٍ لَّهُمْ } ؟ قلت: لو قصد التعدية لعداه بصلته التي هي علي .
أما قوله: { قَالُواْ وَجَدْنَا ءَابَاءنَا لَهَا عابدين } فاعلم أن القوم لم يجدوا في جوابه إلا طريقة التقليد الذي يوجب مزيد النكير لأنهم إذا كانوا على خطأ من أمرهم لم يعصمهم من هذا الخطأ أن آباءهم أيضًا سلكوا هذا الطريق فلا جرم أجابهم إبراهيم عليه السلام بقوله: { لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَءابَاؤُكُمْ فِى ضلال مُّبِينٍ } فبين أن الباطل لا يصير حقًا بسبب كثرة المتمسكين به ، فلما حقق عليه السلام ذلك عليهم ولم يجدوا من كلامه مخلصًا ورأوه ثابتًا على الإنكار قوى القلب فيه وكانوا يستبعدون أن يجري مثل هذا الإنكار عليهم مع كثرتهم وطول العهد بمذهبهم ، فعند ذلك قالوا له: { أَجِئْتَنَا بالحق أَمْ أَنتَ مِنَ اللاعبين } موهمين بهذا الكلام أنه يبعد أن يقدم على الإنكار عليهم جادًا في ذلك فعنده عدل A إلى بيان التوحيد .