أما قوله تعالى: { ثُمَّ نُكِسُواْ على رُؤُوسَهُمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هؤلاء يَنطِقُونَ } فقال صاحب «الكشاف» : نكسه قلبه فجعل أسفله أعلاه وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: في المعنى وجوه: أحدها: أن المراد استقاموا حين رجعوا إلى أنفسهم وأتوا بالفكرة الصالحة ، ثم انتكسوا فقلبوا عن تلك الحالة ، فأخذوا [ في ] المجادلة بالباطل وأن هؤلاء مع تقاصر حالها عن حال الحيوان الناطق آلهة معبودة . وثانيها: قلبوا على رؤوسهم حقيقة لفرط إطراقهم خجلًا وانكسارًا وانخذالًا مما بهتهم به إبراهيم فما أحاروا جوابًا إلا ما هو حجة عليهم . وثالثها: قال ابن جرير ثم نكسوا على رؤوسهم في الحجة عليهم لإبراهيم حين جادلهم . أي قلبوا في الحجة واحتجوا على إبراهيم بما هو الحجة لإبراهيم عليهم ، فقالوا: { لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاء يَنطِقُونَ } فأقروا بهذه للحيرة التي لحقتهم ، قال والمعنى نكست حجتهم فأقيم الخبر عنهم مقام الخبر عن حجتهم .
المسألة الثانية: قرىء نكسوا بالتشديد ونكسوا على لفظ ما لم يسم فاعله ، أي نكسوا أنفسهم على رؤوسهم وهي قراءة رضوان بن عبد المعبود .
أما قوله تعالى: { قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله مَا لاَ يَنفَعُكُمْ شَيْئًا وَلاَ يَضُرُّكُمْ * أُفّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } فالمعنى ظاهر . قال صاحب «الكشاف» : أف صوت إذا صوت به علم أن صاحبه متضجر ، وإن إبراهيم عليه السلام أضجره ما رأى من ثباتهم على عبادتها بعد انقطاع عذرهم ، وبعد وضوح الحق وزهوق الباطل ، فتأفف بهم . ثم يحتمل أنه قال لهم ذلك وقد عرفوا صحة قوله . ويحتمل أنه قال لهم ذلك وقد ظهرت الحجة وإن لم يعقلوا . وهذا هو الأقرب لقوله: { أَفَتَعْبُدُونَ } ولقوله: { أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } .