وثالثها: أن الإستنباط أرفع درجات العلماء فوجب أن يكون للرسول فيه مدخل وإلا لكان كل واحد من آحاد المجتهدين أفضل منه في هذا الباب . فإن قيل هذا إنما يلزم لو لم تكن درجة أعلى من الإعتبار ، وليس الأمر كذلك ، لأنه كان يستدرك الأحكام وحيًا على سبيل اليقين ، فكان أرفع درجة من الاجتهاد الذي ليس قصاراه إلا الظن . قلنا: لا يمتنع أن لا يجد النص في بعض المواضع ، فلو لم يتمكن من الاجتهاد لكان أقل درجة من المجتهد الذي يمكنه أن يعرف ذلك الحكم من الإجتهاد ، وأيضًا قد بينا أن الله تعالى لما أمره بالإجتهاد كان ذلك مفيدًا للقطع بالحكم . ورابعها: قال عليه السلام: « العلماء ورثة الأنبياء » فوجب أن يثبت للأنبياء درجة الإجتهاد ليرث العلماء عنهم ذلك . هذا تمام القول في هذه المسألة . وخامسها: أنه تعالى قال: { عَفَا الله عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ } [ التوبة: 43 ] فذاك الإذن إن كان بإذن الله تعالى استحال أن يقول: لم أذنت لهم ، وإن كان بهوى النفس فهو غير جائز ، وإن كان بالاجتهاد فهو المطلوب .
المأخذ الثاني: قال الجبائي: لو جوزنا الاجتهاد من الأنبياء عليهم السلام ففي هذه المسألة يجب أن لا يجوز لوجوه؛ أحدها: أن الذي وصل إلى صاحب الزرع من در الماشية ومن منافعها مجهول المقدار ، فكيف يجوز في الاجتهاد جعل أحدهما عوضًا عن الآخر . وثانيها: أن اجتهاد داود عليه السلام إن كان صوابًا لزم أن لا ينقض لأن الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد . وإن كان خطأ وجب أن يبين الله تعالى توبته كسائر ما حكاه عن الأنبياء عليهم السلام ، فلما مدحهما بقوله: { وَكُلاًّ ءاتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا } دل على أنه لم يقع الخطأ من داود . وثالثها: لو حكم بالاجتهاد لكان الحاصل هناك ظنًا لا علمًا لأن الله تعالى قال: { وَكُلاًّ ءاتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا } . ورابعها: كيف يجوز أن يكون عن اجتهاد من مع قوله: { ففهمناها سليمان } . والجواب عن الأول: أن الجهالة في القدر لا تمنع من الاجتهاد كالجعالات وحكم المصراة . وعن الثاني: لعله كان خطأ من باب الصغائر . وعن الثالث: بينا أن من تمسك بالقياس فالظن واقع في طريق إثبات الحكم فأما الحكم فمقطوع به . وعن الرابع: أنه إذا تأمل واجتهد فأداه اجتهاده إلى ما ذكرنا كان الله تعالى فهمه من حيث بين له طريق ذلك . فهذه جملة الكلام في بيان أنه لا يمتنع أن يكون اختلاف داود وسليمان عليهما السلام في ذلك الحكم إنما كان بسبب الاجتهاد . وأما بيان أنه لا يمتنع أيضًا أن يكون اختلافهما فيه بسبب النص فطريقه أن يقال: إن داود عليه السلام كان مأمورًا من قبل الله تعالى في هذه المسألة بالحكم الذي حكم به ، ثم إنه سبحانه نسخ ذلك بالوحي إلى سليمان عليه السلام خاصة وأمره أن يعرف داود ذلك فصار ذلك الحكم حكمهما جميعًا فقوله: { ففهمناها سليمان } أي أوحينا إليه فإن قيل هذا باطل لوجهين: الأول: لما أنزل الله تعالى الحكم الأول على داود وجب أن ينزل نسخه أيضًا على داود لا على سليمان . الثاني: أن الله تعالى مدح كلا منهما على الفهم ولو كان ذلك على سبيل النص لم يكن في فهمه كثير مدح إنما المدح الكثير على قوة الخاطر والحذاقة في الاستنباط .