{ والسماوات مطويات بِيَمِينِهِ } [ الزمر: 67 ] فدل هذا على أن السموات حال كونها مطوية تكون موجودة ، وبقوله تعالى: { يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرض غَيْرَ الأرض } [ إبراهيم: 48 ] وهذا يدل على أن أجزاء الأرض باقية لكنها جعلت غير الأرض .
أما قوله تعالى: { وَعْدًا عَلَيْنَا } ففيه قولان: أحدهما: أن وعدًا مصدر مؤكد لأن قوله: { نُّعِيدُهُ } عدة للإعادة . الثاني: أن يكون المراد حقًا علينا بسبب الإخبار عن ذلك وتعلق العلم بوقوعه مع أن وقوع ما علم الله وقوعه واجب ، ثم إنه تعالى حقق ذلك بقوله: { إِنَّا كُنَّا فاعلين } أي سنفعل ذلك لا محالة وهو تأكيد لما ذكره من الوعد .
أما قوله تعالى: { وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِى الزبور مِن بَعْدِ الذكر } ففيه مسائل:
المسألة الأولى: قرأ حمزة بضم الزاي والباقون بفتحها يعني الزبور كالحلوب والركوب يقال: زبرت الكتاب أي كتبته والمزبور بضم الزاي جمع زبر كقشر وقشور ، ومعنى القراءتين واحد لأن الزبور هو الكتاب .
المسألة الثانية: في الزبور والذكر وجوه: أحدها: وهو قول سعيد بن جبير ومجاهد والكلبي ومقاتل وابن زيد الزبور هو الكتب المنزلة والذكر الكتاب الذي هو أم الكتاب في السماء ، لأن فيها كتابة كل ما سيكون اعتبارًا للملائكة وكتب الأنبياء عليهم السلام من ذلك الكتاب تنسخ . وثانيها: الزبور هو القرآن والذكر هو التوراة وهو قول قتادة والشعبي . وثالثها: الزبور زبور داود عليه السلام ، والذكر هو الذي يروي عنه عليه السلام ، قال: كان الله تعالى ولم يكن معه شيء ، ثم خلق الذكر . وعندي فيه وجه رابع: وهو أن المراد بالذكر العلم أي كتبنا ذلك في الزبور بعد أن كنا عالمين علمًا لا يجوز السهو والنسيان علينا ، فإن من كتب شيئًا والتزمه ولكنه يجوز السهو عليه فإنه لا يعتمد عليه ، أما من لم يجز عليه السهو والخلف فإذا التزم شيئًا كان ذلك الشيء واجب الوقوع .
أما قوله تعالى: { أَنَّ الأرض يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصالحون } ففيه وجوه: أحدها: الأرض أرض الجنة والعباد الصالحون هم المؤمنون العاملون بطاعة الله تعالى فالمعنى أن الله تعالى كتب في كتب الأنبياء عليهم السلام وفي اللوح المحفوظ أنه سيورث الجنة من كان صالحًا من عباده وهو قول ابن عباس Bهما ومجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة والسدي وأبي العالية وهؤلاء أكدوا هذا القول بأمور: أما أولًا: فقوله تعالى: { وَأَوْرَثَنَا الأرض نَتَبَوَّأُ مِنَ الجنة حَيْثُ نَشَاء فَنِعْمَ أَجْرُ العاملين } [ الزمر: 74 ] ، وأما ثانيًا: فلأنها الأرض التي يختص بها الصالحون لأنها لهم خلقت ، وغيرهم إذا حصل معهم في الجنة فعلى وجه التبع ، فأما أرض الدنيا فلأنها للصالح وغير الصالح .