فهرس الكتاب

الصفحة 5081 من 8321

[ الأنفال: 33 ] لا يقال: أليس أنه تعالى قال: { قاتلوهم يُعَذّبْهُمُ الله بِأَيْدِيكُمْ } [ التوبة: 14 ] وقال تعالى: { لّيُعَذّبَ الله المنافقين والمنافقات } [ الأحزاب: 73 ] لأنا نقول تخصيص العام لا يقدح فيه . وثالثها: أنه عليه السلام كان في نهاية حسن الخلق قال تعالى: { وَإِنَّكَ لعلى خُلُقٍ عَظِيمٍ } [ القلم: 4 ] وقال أبو هريرة Bه: « قيل لرسول الله A أدع على المشركين ، قال:"إنما بعثت رحمة ولم أبعث عذابًا"وقال في رواية حذيفة:"إنما أنا بشر أغضب كما يغضب البشر ، فأيما رجل سببته أو لعنته فاجعلها اللهم عليه صلاة يوم القيامة"ورابعها: قال عبد الرحمن بن زيد: { إِلاَّ رَحْمَةً للعالمين } [ الأنبياء: 107 ] يعني المؤمنين خاصة ، قال الإمام أبو القاسم الأنصاري والقولان يرجعان إلى معنى واحد ، لما بينا أنه كان رحمة للكل لو تدبروا في آيات الله وآيات رسوله ، فأما من أعرض واستكبر ، فإنما وقع في المحنة من قبل نفسه كما قال: { وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى } .

المسألة الثانية: قالت المعتزلة لو كان الله تعالى أراد من الكافرين الكفر ولم يرد منهم القبول من الرسول ، بل ما أراد منهم إلا الرد عليه وخلق ذلك فيهم ولم يخلقهم إلا كذلك كما يقوله أهل السنة ، لوجب أن يكون إرساله نقمة وعذابًا عليهم لا رحمة وذلك على خلاف هذا النص ، لا يقال: إن رسالته عليه السلام رحمة للكفار من حيث لم يعجل عذابهم في الدنيا ، كما عجل عذاب سائر الأمم ، لأنا نقول: إن كونه رحمة للجميع على حد واحد وما ذكرتموه للكفار فهو حاصل للمؤمنين أيضًا ، فإذا يجب أن يكون رحمة للكافرين من الوجه الذي صار رحمة للمؤمنين . وأيضًا فإن الذي ذكروه من نعم الدنيا كانت حاصلة للكفار قبل بعثته A كحصولها بعده ، بل كانت نعمهم في الدنيا قبل بعثته أعظم لأن بعد بعثته نزل بهم الغم والخوف منه ، ثم أمر بالجهاد الذي فني أكثرهم فيه فلا يجوز أن يكون هذا هو المراد . والجواب: أن نقول لما علم الله سبحانه وتعالى أن أبا لهب لا يؤمن ألبتة وأخبر عنه أنه لا يؤمن كان أمره إياه بالإيمان أمرًا يقلب علمه جهلًا وخبره الصدق كذبًا وذلك محال ، فكان قد أمره بالمحال . وإن كانت البعثة مع هذا القول رحمة ، فلم لا يجوز أن يقال البعثة رحمة مع أنه خلق الكفر في الكافر؟ ولأن قدرة الكافر إن لم تصلح إلا للكفر فقط فالسؤال عليهم لازم ، وإن كانت صالحة للضدين توقف للترجيح على مرجح من قبل الله تعالى ، قطعًا للتسلسل . وحينئذ يعود الإلزام ثم نقول: لم لا يجوز أن يكون رحمة للكافر بمعنى تأخير عذاب الاستئصال عنه؟ قوله: أولًا لما كان رحمة للجميع على حد واحد وجب أن يكون رحمة للكفار من الوجه الذي كان رحمة للمؤمنين ، قلنا: ليس في الآية أنه عليه السلام رحمة للكل باعتبار واحد أو باعتبارين مختلفين ، فدعواك بكون الوجه واحدًا تحكم . قوله نعم الدنيا كانت حاصلة للكفار من قبل قلنا: نعم ولكنه عليه السلام لكونه رحمة للمؤمنين لما بعث حصل الخوف للكفار من نزول العذاب ، فلما اندفع ذلك عنهم بسبب حضوره كان ذلك رحمة في حق الكفار .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت