فهرس الكتاب

الصفحة 5084 من 8321

أما قوله تعالى: { إِنَّهُ يَعْلَمُ الجهر مِنَ القول وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ } فالمقصود منه الأمر بالإخلاص وترك النفاق ، لأنه تعالى إذا كان عالمًا بالضمائر وجب على العاقل أن يبالغ في الإخلاص .

أما قوله تعالى: { وَإِنْ أَدْرِى لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَّكُمْ وَمَتَاعٌ إلى حِينٍ } ففيه وجوه؛ أحدها: لعل تأخير العذاب عنكم . وثانيها: لعل إبهام الوقت الذي ينزل بكم العذاب فيه فتنة لكم أي بلية واختبار لكم ليرى صنعكم وهل تحدثون توبة ورجوعًا عن كفركم أم لا . وثالثها: قال الحسن: لعل ما أنتم فيه من الدنيا بلية لكم والفتنة البلوى والاختبار . ورابعها: لعل تأخير الجهاد فتنة لكم إذا أنتم دمتم على كفركم ، لأن ما يؤدي إلى الضرر العظيم يكون فتنة ، وإنما قال لا أدري لتجويز أن يؤمنوا فلا يكون تبقيتهم فتنة بل ينكشف عن نعمة ورحمة . وخامسها: أن يكون المراد وإن أدري لعل ما بينت وأعلمت وأوعدت فتنة لكم ، لأنه زيادة في عذابكم إن لم تؤمنوا لأن المعرض عن الإيمان مع البيان حالًا بعد حال يكون عذابه أشد ، وإذا متعه الله تعالى بالدنيا يكون ذلك كالحجة عليه .

أما قوله تعالى: { قَالَ رَبّ احكم بالحق } ففيه مسائل:

المسألة الأولى: قرىء: ( قل رب أحكم بالحق ) على الإكتفاء بالكسرة ( ورب احكم ) على الضم ( وربي أحكم ) أفعل التفضيل ( وربي أحكم ) من الإحكام .

المسألة الثانية: { رَبّ احكم بالحق } فيه وجوه: أحدها أي ربي اقض بيني وبين قومي بالحق أي بالعذاب . كأنه قال: اقص بيني وبين من كذبني بالعذاب ، وقال قتادة: أمره الله تعالى أن يقتدي بالأنبياء في هذه الدعوة وكانوا يقولون: { رَبَّنَا افتح بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بالحق } [ الأعراف: 89 ] فلا جرم حكم الله تعالى عليهم بالقتل يوم بدر . وثانيها: افصل بيني وبينهم بما يظهر الحق للجميع وهو أن تنصرني عليهم .

أما قوله تعالى: { وَرَبُّنَا الرحمن المستعان على مَا تَصِفُونَ } ففيه وجهان؛ أحدهما: أي من الشرك والكفر وما تعارضون به دعوتي من الأباطيل والتكذيب كأنه سبحانه قال: قل داعيًا لي: { رَبّ احكم بالحق } وقل متوعدًا للكفار: { وَرَبُّنَا الرحمن المستعان على مَا تَصِفُونَ } قرأ ابن عامر بالياء المنقوطة من تحت ، أي قل لأصحابك المؤمنين ، وربنا الرحمن المستعان على ما يصف الكفار من الأباطيل ، أي من العون على دفع أباطيلهم . وثانيها: كانوا يطمعون أن تكون لهم الشوكة والغلبة فكذب الله ظنونهم وخيب آمالهم ونصر رسوله A والمؤمنين وخذلهم ، قال القاضي: إنما ختم الله هذه السورة بقوله: { قال رَّبّ احكم بالحق } لأنه عليه السلام كان قد بلغ في البيان الغاية لهم وبلغوا النهاية في أذيته وتكذيبه فكان قصارى أمره تعالى بذلك تسلية له وتعريفًا أن المقصود مصلحتهم ، فإذا أبوا إلا التمادي في كفرهم ، فعليك بالانقطاع إلى ربك ليحكم بينك وبينهم بالحق ، إما بتعجيل العقاب بالجهاد أو بغيره ، وإما بتأخير ذلك فإن أمرهم وإن تأخر فما هو كائن قريب ، وما روي أنه عليه السلام كان يقول ذلك في حروبه كالدلالة على أنه تعالى أمره أن يقول هذا القول كالإستعجال للأمر بمجاهدتهم وبالله التوفيق ، وصلاته على خير خلقه محمد النبي وآله وصحبه وسلم تسليمًا آمين .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت