فهرس الكتاب

الصفحة 5099 من 8321

فنزلت هذه الآية .

وأما قوله: { وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقلب على وَجْهِهِ } ففيه سؤالات: الأول: كيف قال: { وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقلب على وَجْهِهِ } والخير أيضًا فتنة لأنه امتحان وقال تعالى: { وَنَبْلُوكُم بالشر والخير فِتْنَةً } [ الأنبياء: 35 ] ، والجواب: مثل هذا كثير في اللغة لأن النعمة بلاء وابتلاء لقوله: { فَأَمَّا الإنسان إِذَا مَا ابتلاه رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ } [ الفجر: 15 ] ولكن إنما يطلق اسم البلاء على ما يثقل على الطبع ، والمنافق ليس عنده الخير إلا الخير الدنيوي ، وليس عنده الشر إلا الشر الدنيوي ، لأنه لا دين له . فلذلك وردت الآية على ما يعتقدونه ، وإن كان الخير كله فتنة ، لكن أكثر ما يستعمل فيما يشتد ويثقل .

السؤال الثاني: إذا كانت الآية في المنافق فما معنى قوله: { انقلب على وَجْهِهِ } وهو في الحقيقة لم يسلم حتى ينقلب ويرتد؟ والجواب: المراد أنه أظهر بلسانه خلاف ما كان أظهره فصار يذم الدين عند الشدة وكان من قبل يمدحه وذلك انقلاب في الحقيقة .

السؤال الثالث: قال مقاتل: الخير هو ضد الشر فلما قال: { فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطمأن بِهِ } كان يجب أن يقول: وإن أصابه شر انقلب على وجهه الجواب: لما كانت الشدة ليست بقبيحة لم يقل تعالى وإن أصابه شر بل وصفه بما لا يفيد فيه القبح .

أما قوله تعالى: { خَسِرَ الدنيا والآخرة } فذلك لأنه يخسر في الدنيا العزة والكرامة وإصابة الغنيمة وأهلية الشهادة والإمامة والقضاء ولا يبقى ماله ودمه مصونًا ، وأما في الآخرة فيفوته الثواب الدائم ويحصل له العقاب الدائم { وذلك هُوَ الخسران المبين } .

أما قوله: { يَدْعُو مِن دون الله مَالا يَضُرُّهُ وَمَا لاَ يَنفَعُهُ } فالأقرب أنه المشرك الذي يعبد الأوثان وهذا كالدلالة على أن الآية لم ترد في اليهودي لأنه ليس ممن يدعو من دون الله الأصنام ، والأقرب أنها واردة في المشركين الذين انقطعوا إلى رسول الله A على وجه النفاق وبين تعالى أن: { ذلك هُوَ الضلال البعيد } ، وأراد به عظم ضلالهم وكفرهم ، ويحتمل أن يعني بذلك بعد ضلالهم عن الصواب لأن جميعه وإن كان يشترك في أنه خطأ فبعضه أبعد من الحق من البعض ، واستعير الضلال البعيد من ضلال من أبعد في التيه ضالًا وطالت وبعدت مسافة ضلاله .

أما قوله تعالى: { يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِن نَّفْعِهِ } ففيه مسألتان:

المسألة الأولى: اختلفوا في تفسيره على وجهين: أحدهما: أن المراد رؤساؤهم الذين كانوا يفزعون إليهم لأنه يصح منهم أن يضروا ، وحجة هذا القول أن الله تعالى بين في الآية الأولى أن الأوثان لا تضرهم ولا تنفعهم ، وهذه الآية تقتضي كون المذكور فيها ضارًا نافعًا ، فلو كان المذكور في هذه الآية هو الأوثان لزم التناقض . القول الثاني: أن المراد الوثن وأجابوا عن التناقض بأمور: أحدها: أنها لا تضر ولا تنفع بأنفسها ولكن عبادتها سبب الضرر وذلك يكفي في إضافة الضرر إليها ، كقوله تعالى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت