فهرس الكتاب

الصفحة 5162 من 8321

« كم من قائم حظه من قيامه التعب والنصب » وما أراد به إلا الغافل ، وقال أيضًا: « ليس للعبد من صلاته إلا ما عقل » وسادسها: قال الغزالي C: المصلي يناجي ربه كما ورد به الخبر والكلام مع الغفلة ليس بمناجاة ألبتة ، وبيانه أن الإنسان إذا أدى الزكاة حال الغفلة فقد حصل المقصود منها على بعض الوجوه ، وهو كسر الحرص وإغناء الفقير ، وكذا الصوم قاهر للقوى كاسر لسطوة الهوى التي هي عدوة الله تعالى . فلا يبعد أن يحصل منه مقصوده مع الغفلة ، وكذا الحج أفعال شاقة ، وفيه من المجاهدة ما يحصل به الابتلاء سواء كان القلب حاضرًا أو لم يكن . أما الصلاة فليس فيها إلا ذكر وقراءة وركوع وسجود وقيام وقعود ، أما الذكر فإنه مناجاة مع الله تعالى . فإما أن يكون المقصود منه كونه مناجاة ، أو المقصود مجرد الحروف والأصوات ، ولا شك في فساد هذا القسم فإن تحريك اللسان بالهذيان ليس فيه غرض صحيح . فثبت أن المقصود منه المناجاة وذلك لا يتحقق إلا إذا كان اللسان معبرًا عما في القلب من التضرعات فأي سؤال في قوله { اهدنا الصراط المستقيم } [ الفاتحة: 6 ] وكان القلب غافلًا عنه؟ بل أقول لو حلف إنسان ، وقال: والله لأشكرن فلانًا وأثني عليه وأسأله حاجة . ثم جرت الألفاظ الدالة على هذه المعاني على لسانه في اليوم لم يبر في يمينه ولو جرى على لسانه في ظلمة الليل وذلك الإنسان حاضر وهو لا يعرف حضوره ولا يراه لا يصير بارًا في يمينه ، ولا يكون كلامه خطابًا معه ما لم يكن حاضرًا بقلبه ، ولو جرت هذه الكلمات على لسانه وهو حاضر في بياض النهار إلا أن المتكلم غافل لكونه مستغرق الهم بفكر من الأفكار ولم يكن له قصد توجيه الخطاب عليه عند نطقه لم يصر بارًا في يمينه ، ولا شك أن المقصود من القراءة الأذكار والحمد والثناء والتضرع والدعاء والمخاطب هو الله تعالى ، فإذا كان القلب محجوبًا بحجاب الغفلة وكان غافلًا عن جلال الله وكبريائه ، ثم إن لسانه يتحرك بحكم العادة فما أبعد ذلك عن القبول . وأما الركوع والسجود فالمقصود منهما التعظيم ، ولو جاز أن يكون تعظيمًا لله تعالى مع أنه غافل عنه ، لجاز أن يكون تعظيمًا للصنم الموضوع بين يديه وهو غافل عنه ، ولأنه إذا لم يحصل التعظيم لم يبق إلا مجرد حركة الظهر والرأس ، وليس فيها من المشقة ما يصير لأجله عمادًا للدين ، وفاصلًا بين الكفر والإيمان ، ويقدم على الحج والزكاة والجهاد وسائر الطاعات الشاقة ، ويجب القتل بسببه على الخصوص ، وبالجملة فكل عاقل يقطع بأن مشاهدة الخواص العظيمة ليس أعمالها الظاهرة إلا أن ينضاف إليها مقصود هذه المناجاة ، فدلت هذه الاعتبارات على أن الصلاة لا بد فيها من الحضور وسابعها: أن الفقهاء اختلفوا فيما ينويه بالسلام عند الجماعة والانفراد ، هل ينوي الحضور أو الغيبة والحضور معًا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت