فهرس الكتاب

الصفحة 5164 من 8321

الصفة الثالثة: قوله تعالى: { والذين هُمْ عَنِ اللغو مُّعْرِضُونَ } وفي اللغو أقوال: أحدها: أنه يدخل فيه كل ما كان حرامًا أو مكروهًا أو كان مباحًا ، ولكن لا يكون بالمرء إليه ضرورة وحاجة وثانيها: أنه عبارة عن كل ما كان حرامًا فقط ، وهذا التفسير أخص من الأول وثالثها: أنه عبارة عن المعصية في القول والكلام خاصة ، وهذا أخص من الثاني ورابعها: أنه المباح الذي لا حاجة إليه ، واحتج هذا القائل بقوله تعالى: { لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ الله باللغو فِى أيمانكم } [ المائدة: 89 ] فكيف يحمل ذلك على المعاصي التي لا بد فيها من المؤاخذة ، واحتج الأولون بأن اللغو إنما سمي لغوًا بما أنه يلغي وكل ما يقتضي الدين إلغاءه كان أولى باسم اللغو ، فوجب أن يكون كل حرام لغوًا ، ثم اللغو قد يكون كفرًا لقوله: { لاَ تَسْمَعُواْ لهذا القرءان والغوا فِيهِ } [ فصلت: 26 ] وقد يكون كذبًا لقوله: { لاَّ تَسْمَعُ فِيهَا لاغية } [ الغاشية: 11 ] وقوله: { لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلاَ تَأْثِيمًا } [ الواقعة: 25 ] ثم إنه سبحانه وتعالى مدحهم بأنهم يعرضون عن هذا اللغو والإعراض عنه ، هو بأن لا يفعله ولا يرضى به ولا يخالط من يأتيه ، وعلى هذا الوجه قال تعالى: { وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ مَرُّواْ كِرامًا } [ الفرقان: 72 ] واعلم أنه سبحانه وتعالى لما وصفهم بالخشوع في الصلاة أتبعه الوصف بالإعراض عن اللغو ، ليجمع لهم الفعل والترك الشاقين على الأنفس الذين هما قاعدتا بناء التكليف وهو أعلم .

الصفة الرابعة: قوله تعالى: { والذين هُمْ للزكواة فاعلون } وفي الزكاة قولان: أحدهما: قول أبي مسلم: أن فعل الزكاة يقع على كل فعل محمود مرضي ، كقوله: { قَدْ أَفْلَحَ مَن تزكى } [ الأعلى: 14 ] وقوله: { فَلاَ تُزَكُّواْ أَنفُسَكُمْ } [ النجم: 32 ] ومن جملته ما يخرج من حق المال ، وإنما سمى بذلك لأنها تطهر من الذنوب لقوله تعالى: { تُطَهّرُهُمْ وَتُزَكّيهِمْ بِهَا } [ التوبة: 103 ] . والثاني: وهو قول الأكثرين أنه الحق الواجب في الأموال خاصة وهذا هو الأقرب . لأن هذه اللفظة قد اختصت في الشرع بهذا المعنى ، فإن قيل إنه لا يقال في الكلام الفصيح إنه فعل الزكاة ، قلنا قال صاحب «الكشاف» : الزكاة اسم مشترك بين عين ومعنى ، فالعين القدر الذي يخرجه المزكي من النصاب إلى الفقير ، والمعنى فعل المزكى الذي هو التزكية وهو الذي أراده الله تعالى فجعل المزكين فاعلين له ولا يسوغ فيه غيره ، لأنه ما من مصدر إلا يعبر عن معناه بالفعل . ويقال لمحدثه فاعل ، يقال للضارب فاعل الضرب ، وللقاتل فاعل القتل ، وللمزكى فاعل الزكاة ، وعلى هذا الكلام كله يجوز أن يراد بالزكاة العين ، ويقدر مضاف محذوف وهو الأداء فإن قيل إن الله تعالى هناك لم يفصل بين الصلاة والزكاة ، فلم فصل ههنا بينهما بقوله: { والذين هُمْ عَنِ اللغو مُّعْرِضُونَ } ؟ قلنا لأن الإعراض عن اللغو من متممات الصلاة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت