فهرس الكتاب

الصفحة 5212 من 8321

أما قوله: { رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظالمون } فالمعنى: أخرجنا من هذه الدار إلى دار الدنيا ، فإن عدنا إلى الأعمال السيئة فإنا ظالمون ، فإن قيل كيف يجوز أن يطلبوا ذلك وقد علموا أن عقابهم دائم؟ قلنا يجوز أن يلحقهم السهو عن ذلك في أحوال شدة العذاب فيسألون الرجعة . ويحتمل أن يكون مع علمهم بذلك يسألون ذلك على وجه الغوث والاسترواح .

أما قوله: { اخسئوا فيها } فالمعنى ذلوا فيها وانزجروا كما يزجر الكلاب إذا زجرت ، يقال: خسأ الكلب وخسأ بنفسه .

أما قوله: { وَلاَ تُكَلّمُونِ } فليس هذا نهيًا لأنه لا تكليف في الآخرة ، بل المراد لا تكلمون في رفع العذاب فإنه لا يرفع ولا يخفف ، قيل هو آخر كلام يتكلمون به ثم لا كلام بعد ذلك إلا الشهيق والزفير ، والعواء كعواء الكلاب ، لا يفهمون ولا يفهمون . وعن ابن عباس Bهما: أن لهم ست دعوات ، إذا دخلوا النار قالوا ألف سنة { رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فارجعنا } [ السجدة: 12 ] فيجابون { حَقَّ القول مِنْى } [ السجدة: 13 ] فينادون ألف سنة ثانية { رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثنتين وَأَحْيَيْتَنَا اثنتين } [ غافر: 11 ] فيجابون { ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِىَ الله وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ } [ غافر: 12 ] فينادون ألف ثالثة { يامالك لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ } [ الزخرف: 77 ] فيجابون { إِنَّكُمْ ماكثون } [ الزخرف: 77 ] فينادون ألفًا رابعة { رَبَّنَا أَخْرِجْنَا } فيجابون { أَوَلَمْ تَكُونُواْ أَقْسَمْتُمْ مّن قَبْلُ مَا لَكُمْ مّن زَوَالٍ } [ إبراهيم: 44 ] فينادون ألفًا خامسة { أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صالحا } [ فاطر: 37 ] فيجابون { أَوَلَمْ نُعَمّرْكُمْ } [ فاطر: 37 ] فينادون ألفًا سادسة { رَبّ ارجعون } [ المؤمنون: 99 ] فيجابون { اخسئوا فيها } ثم بين سبحانه وتعالى ، أن فزعهم بأمر يتصل بالمؤمنين ، وهو قوله: { إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مّنْ عِبَادِى يَقُولُونَ رَبَّنَا ءامَنَّا فاغفر لَنَا وارحمنا وَأَنتَ خَيْرُ الرحمين * فاتخذتموهم سِخْرِيًّا } فوصف تعالى أحد ما لأجه عذبوا وبعدوا من الخير ، وهو ما عاملوا به المؤمنين . وفي حرف أبي { إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ } بالفتح بمعنى لأنه . وقرأ نافع وأهل المدينة وأهل الكوفة عن عاصم بضم السين في جميع القرآن ، وقرأ الباقون بالكسر ههنا وفي ص قال الخليل وسيبويه هما لغتان كدرى ودرى . وقال الكسائي والفراء الكسر بمعنى الاستهزاء بالقول ، والضم بمعنى السخرية . قال مقاتل: إن رؤساء قريش مثل أبي جهل وعتبة وأبي بن خلف كانوا يستهزئون بأصحاب رسول الله A ويضحكون بالفقراء منهم مثل بلال وخباب وعمار وصهيب ، والمعنى اتخذتموهم هزوًا حتى أنسوكم بتشاغلكم بهم على تلك الصفة ذكرى وأكد ذلك بقوله: { وَكُنْتُمْ مّنْهُمْ تَضْحَكُونَ } ثم بين سبحانه ما يقتضي فيهم الأسف والحسرة بأن وصف ما جازى به أولئك المؤمنين فقال: { إِنِى جَزَيْتُهُمُ اليوم بِمَا صَبَرُواْ أَنَّهُمْ هُمُ الفائزون } قرأ حمزة والكسائي أنهم بالكسر والباقون بالفتح فالكسر استئناف أي قد فازوا حيث صبروا فجوزوا بصبرهم أحسن الجزاء ، والفتح على أنه في موضع المفعول الثاني من جزيت ، ويجوز أن يكون نصبًا بإضمار الخافض أي جزيتهم الجزاء الوافر لأنهم هم الفائزون .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت