أما قوله: { ظلمات بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ } فروي عن ابن كثير أنه قرأ ( سحاب ) وقرأ ( ظلمات ) بالجر على البدل من قوله: { أَوْ كظلمات } وعنه أيضًا أنه قرأ { سَحَابٌ ظلمات } كما يقال سحاب رحمة وسحاب عذاب على الإضافة وقراءة الباقين { سَحَابٌ ظلمات } كلاهما بالرفع والتنوين وتمام الكلام عند قوله: { سَحَابٌ } ثم ابتدأ { ظلمات } أي ما تقدم ذكره ظلمات بعضها فوق بعض .
أما قوله: { لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا } ففيه قولان: أحدهما: أن كاد نفيه إثبات وإثباته نفي فقوله: { وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ } [ البقرة: 71 ] نفي في اللفظ ولكنه إثبات في المعنى لأنهم فعلوا ذلك وقوله E: « كاد الفقر أن يكون كفرًا » إثبات في اللفظ لكنه نفي في المعنى لأنه لم يكفر فكذا ههنا قوله: { لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا } معناه أنه رآها والثاني: أن كاد معناه المقاربة فقوله: { لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا } معناه لم يقارب الوقوع ومعلوم أن الذي لم يقارب الوقوع لم يقع أيضًا وهذا القول هو المختار والأول ضعيف لوجهين: الأول: أن ما يكون أقل من هذه الظلمات فإنه لا يرى فيه شيء فكيف مع هذه الظلمات الثاني: أن المقصود من هذا التمثيل المبالغة في جهالة الكفار وذلك إنما يحصل إذا لم توجد الرؤية ألبتة مع هذه الظلمات .
أما قوله: { وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ الله نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُورٍ } فقال أصحابنا إنه سبحانه لما وصف هداية المؤمن بأنها في نهاية الجلاء والظهور عقبها بأن قال: { يَهْدِى الله لِنُورِهِ مَن يَشَاء } ولما وصف ضلالة الكافر بأنها في نهاية الظلمة عقبها بقوله: { وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ الله لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُورٍ } والمقصود من ذلك أن يعرف الإنسان أن ظهور الدلائل لا يفيد الإيمان وظلمة الطريق لا تمنع منه ، فإن الكل مربوط بخلق الله تعالى وهدايته وتكوينه ، وقال القاضي المراد بقوله: { وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ الله لَهُ نُورًا } أي في الدنيا بالألطاف { فَمَا لَهُ مِن نُورٍ } أي لا يهتدي فيتحير ويحتمل { وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ الله لَهُ نُورًا } أي مخلصًا في الآخرة وفوزًا بالثواب { فَمَا لَهُ مِن نُورٍ } والكلام عليه تزييفًا وتقريرًا معلوم .