فهرس الكتاب

الصفحة 5380 من 8321

المسألة الرابعة: من الناس من قال لفظ الأمر مشترك بين الأمر القولي وبين الشأن والطريق ، كما يقال أمر فلان مستقيم . وإذا ثبت ذلك كان قوله تعالى: { عَنْ أَمْرِهِ } يتناول قول الرسول وفعله وطريقته ، وذلك يقتضي أن كل ما فعله E يكون واجبًا علينا ، وهذه المسألة مبنية على أن الكناية في قوله { عَنْ أَمْرِهِ } راجعة إلى النبي A ، أما لو كانت راجعة إلى الله تعالى فالبحث ساقط بالكلية ، وتمام تقرير ذلك ذكرناه في أصول الفقه ، والله أعلم .

أما قوله تعالى: { أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } فالمراد أن مخالفة الأمر توجب أحد هذين الأمرين ، والمراد بالفتنة العقوبة في الدنيا ، والعذاب الأليم عذاب الآخرة ، وإنما ردد الله تعالى حال ذلك المخالف بين هذين الأمرين لأن ذلك المخالف قد يموت من دون عقاب الدنيا وقد يعرض له ذلك في الدنيا ، فلهذا السبب أورده تعالى على سبيل الترديد ، ثم قال الحسن: الفتنة هي ظهور نفاقهم ، وقال ابن عباس Bهما: القتل . وقيل: الزلازل والأهوال ، وعن جعفر بن محمد يسلط عليهم سلطان جائر .

أما قوله تعالى: { أَلا إِنَّ للَّهِ مَا فِى السموات والأرض } فذاك كالدلالة على قدرته تعالى عليهما وعلى ما بينهما وما فيهما ، واقتداره على المكلف فيما يعامل به من المجازاة بثواب أو بعقاب ، وعلمه بما يخفيه ويعلنه ، وكل ذلك كالزجر عن مخالفة أمره .

أما قوله تعالى: { قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ } فإنما أدخل { قَدْ } لتوكيد علمه بما هم عليه من المخالفة في الدين والنفاق . ويرجع توكيد العلم إلى توكيد الوعيد: وذلك لأن قد إذا أدخلت على المضارع كانت بمعنى ربما ، فوافقت ربما في خروجها إلى معنى التكثير . كما في قوله الشاعر:

فإن يمس مهجور الفناء فربما ... أقام به بعد الوفود وفود

والخطاب والغيبة في قوله تعالى: { قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ } يجوز أن يكونا جميعًا للمنافقين على طريق الالتفات ، ويجوز أن يكون ما أنتم عليه عامًا ويرجعون للمنافقين ، وقد تقدم في غير موضع أن الرجوع إليه هو الرجوع إلى حيث لا حكم إلا له فلا وجه لإعادته ، والله أعلم .

وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت