أما قوله تعالى: { وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا } فمعنى الترتيل في الكلام أن يأتي بعضه على أثر بعض على تؤدة وتمهل وأصل الترتيل في الأسنان وهو تفلجها يقال ثغر رتل وهو ضد المتراص ، ثم إنه سبحانه وتعالى لما بين فساد قولهم بالجواب الواضح قال: { وَلاَ يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ } من الجنس الذي تقدم ذكره من الشبهات إلا جئناك بالحق الذي يدفع قولهم ، كما قال تعالى: { بَلْ نَقْذِفُ بالحق عَلَى الباطل فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ } [ الأنبياء: 18 ] وبين أن الذي يأتي به أحسن تفسيرًا لأجل ما فيه من المزية في البيان والظهور ، ولما كان التفسير هو الكشف عما يدل عليه الكلام وضع موضع معناه ، فقالوا تفسير هذا الكلام كيت وكيت كما قيل معناه كذا وكذا .
أما قوله: { الذين يُحْشَرُونَ على وُجُوهِهِمْ إلى جَهَنَّمَ } ففيه مسائل:
المسألة الأولى: عن أبي هريرة عن رسول الله A: « يحشر الناس على ثلاثة أصناف صنف على الدواب وصنف على الأقدام وصنف على الوجوه » وعنه عليه السلام: « إن الذي أمشاهم على أرجلهم قادر على أن مشيهم على وجوههم »
المسألة الثانية: الأقرب أنه صفة للقوم الذين أوردوا هذه الأسئلة على سبيل التعنت ، وإن كان غيرهم من أهل النار يدخل معهم .
المسألة الثالثة: حمله بعضهم على أنهم يمشون في الآخرة مقلوبين ، وجوههم إلى القرار وأرجلهم إلى فوق ، روي ذلك عن الرسول A وقال آخرون المراد أنهم يحشرون ويسحبون على وجوههم ، وهذا أيضًا مروي عن الرسول E وهو أولى ، وقال الصوفية: الذين تعلقت قلوبهم بما سوى الله فإذا ماتوا بقي ذلك التعلق فعبر عن تلك الحالة بأنهم يحشرون على وجوههم إلى جهنم ، ثم بين تعالى أنهم شر مكانًا من أهل الجنة وأضل سبيلًا وطريقًا ، والمقصود منه الزجر عن طريقهم والسؤال عليه كما ذكرناه على قوله: { أصحاب الجنة يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرًّا } [ الفرقان: 24 ] وقد تقدم الجواب عنه .
واعلم أنه تعالى بعد أن تكلم في التوحيد ونفي الأنداد وإثبات النبوة والجواب عن شبهات المنكرين لها وفي أحوال القيامة شرع في ذكر القصص على السنة المعلومة .